سلامٌ تحت النار… أم استسلامٌ يُفرض بالقوة؟

د . ليون سيوفى
باحث وكاتب سياسي
متى ستتوقف إسرائيل عن إرسال الإنذارات إلى القرى والبلدات اللبنانية، ثم تعود بعد ساعات لتقصف وتدمّر وتغتال من تشاء، وكأن حياة الناس أصبحت مجرّد أرقام في نشرات الأخبار؟
وأيُّ معنى يبقى لكلمة “سلام” فيما الجنوب والبقاع والضاحية يعيشون يوميًا بين الخوف والنزوح وصوت الطائرات والتهديدات المتواصلة؟
الأكثر خطورةً أنّ هذا المشهد لم يكن منفصلًا عن مسار التفاوض، بل جرى فيما كان الوفدُ اللبناني يُفاوض تحت النار، في صورةٍ تختصر حجم الضغط السياسي والنفسي المفروض على لبنان واللبنانيين.
الأكثر خطورةً أن هذا المشهد يجري فيما هناك وفدٌ لبناني يفاوض تحت النار، وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يناقشوا شروط الاستقرار فيما القصف مستمر، والسيادة تُستباح، والاحتلال لا يزال قائمًا في أجزاء من الأرض اللبنانية.
فأيُّ سلامٍ هذا الذي يُكتب بالصواريخ؟ وأيُّ تفاوضٍ هذا الذي يتم فيما القرى تُهدَّد والناس تُهجَّر؟
إن ما يجري اليوم يطرح سؤالًا كبيرًا على الدولة اللبنانية نفسها، وعلى الحكومة تحديدًا، التي تبدو في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين عاجزةً عن حماية شعبها، أو متساهلةً أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية، أو تسير ضمن سقوفٍ سياسية تُفرض عليها من الخارج.
فاللبناني لم يعد يفهم كيف تُفتح أبواب التفاوض بينما يستمر القصف، وكيف يُطلب منه الثقة بمسارٍ سياسي فيما النار ما زالت مشتعلة فوق رأسه.
هناك شعورٌ متزايد لدى كثيرين بأن الدولة اللبنانية تحوّلت إلى موقع ردّ فعل، لا موقع قرار، وأن بعض المسؤولين باتوا يقدّمون أولوية إرضاء الخارج على حساب كرامة الداخل وسيادة الوطن.
والأخطر أن الإنذارات الإسرائيلية لم تعد مجرد “إجراءات عسكرية”، بل أصبحت جزءًا من حرب نفسية يومية تهدف إلى إخضاع الناس وترهيبهم ودفعهم إلى القبول بأي تسوية مهما كانت قاسية أو مذلّة.
لكن التاريخ يُثبت أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقصف، ولا بالضغوط، ولا عبر فرض الوقائع بالنار. فالسلام الذي يولد من الخوف يبقى هشًّا ومؤقتًا، لأن الشعوب لا تنسى بيوتها المهدّمة، ولا أبناءها، ولا الإذلال الذي تعرّضت له.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على إسرائيل التي تمارس القصف والتهديد، بل أيضًا على كل سلطةٍ عربية أو لبنانية تقبل بأن تُدار الأوطان وفق الإملاءات الخارجية، أو تكتفي بالمشاهدة فيما الناس تُترك وحدها في مواجهة الحرب والخوف والدمار.
إن اللبنانيين لا يريدون خطاباتٍ دبلوماسية فارغة، بل يريدون دولةً تحميهم، وسيادةً حقيقية، وقرارًا وطنيًا لا يُكتب في السفارات ولا يُفرض تحت الطائرات.
ويبقى السؤال الأخطر، هل ما يجري اليوم هو طريقٌ نحو السلام فعلًا؟ أم مرحلة يُعاد فيها ترتيب المنطقة بالقوة… فيما يُطلب من الشعوب أن تصمت تحت عنوان “الاستقرار”؟
ثم ماذا عن الهدنة التي يجري الحديث عنها لمدة ٤٥ يومًا؟ هل ستلتزم إسرائيل فعلًا بهذه الهدنة، أم ستكون مجرد مرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب الحسابات العسكرية والسياسية قبل عودة التصعيد؟
فالتجارب السابقة تجعل كثيرًا من اللبنانيين يتعاملون بحذرٍ مع أي إعلان تهدئة، لأنهم عاشوا مرارًا على وقع هدنٍ هشة لم تمنع الغارات، ولا الاغتيالات، ولا استمرار الخوف اليومي.
فالهدنة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأيام المكتوبة على الورق، بل بمدى شعور الناس بالأمان داخل بيوتهم. لأن الشعوب التي تعيش تحت التهديد الدائم لا تشعر بأنها دخلت زمن السلام، بل مجرد استراحة قصيرة بين جولةٍ وأخرى من النار.
فالسلام الذي يعيش تحت ظلّ الطائرات والإنذارات ليس سلامًا حقيقيًا، لأن الشعوب لا تستطيع أن تبني مستقبلها وهي تنتظر في كل لحظة غارة جديدة، أو تهديدًا جديدًا يقتلع ما تبقّى من الأمان من قلوب الناس، ويزرع في كل بيتٍ خوفًا من الغد،
وكأنّ الحياة في هذه الأرض أصبحت معلّقة بين هدنةٍ مؤقتة وحربٍ قد تعود في أيّ لحظة، فيما الناس لا يطلبون سوى حقّهم الطبيعي بالأمان والاستقرار والعيش بكرامة بعيدًا عن صوت النار والتهديد ..مح