الهام المصري : مصر ليست للمقارنة السطحية… بل للفهم العميق
في كل مرة تُطرح فيها مقارنات بين مصر ودول أخرى، سواء مع سوريا أو مع دول الخليج، يبدو واضحًا أن كثيرًا من هذه المقارنات تفتقد إلى السياق، وتعتمد على أرقام مجردة دون فهم حقيقي للواقع المركب لكل دولة.
الحديث عن ديون مصر، على سبيل المثال، يُقدَّم أحيانًا وكأنه استثناء، بينما الحقيقة أن الديون أداة اقتصادية تستخدمها معظم دول العالم، بما في ذلك دول غنية مثل السعودية وغيرها من دول الخليج. الفارق ليس في وجود الدين، بل في كيفية استخدامه: هل يُوجَّه للاستهلاك أم للبناء والاستثمار؟
دول الخليج، مع كامل الاحترام والتقدير، تمتلك ثروات طبيعية ضخمة، وعلى رأسها النفط والغاز، وهي موارد تمثل النسبة الأكبر من دخلها القومي. كما أن عدد سكانها محدود نسبيًا، ما ينعكس على مستوى الدخل الفردي وجودة الخدمات. في المقابل، مصر دولة ذات كثافة سكانية ضخمة تتجاوز 100 مليون نسمة، وتعتمد على تنوع اقتصادي يشمل الصناعة والتجارة والزراعة والخدمات.
أما المقارنة مع سوريا، فهي أكثر تعقيدًا. سوريا دولة أنهكتها الحرب لسنوات طويلة، وتعرضت بنيتها التحتية لدمار واسع، فضلًا عن نزوح ملايين من شعبها داخلًا وخارجًا. المقارنة هنا لا يجب أن تكون من باب المفاضلة، بل من باب فهم أثر الاستقرار على التنمية.
في المقابل، تتحمل مصر أعباء إضافية لا تُذكر كثيرًا، منها استضافة ملايين اللاجئين من دول مختلفة، وتقديم الدعم الإنساني والإغاثي لعدة مناطق، فضلًا عن الحفاظ على استقرارها الداخلي في ظل تحديات أمنية واقتصادية كبيرة منذ عام 2011.
ورغم هذه التحديات، شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة عددًا من المشروعات الكبرى، شملت تطوير البنية التحتية، وإنشاء مدن جديدة، والتوسع في الطاقة، بما في ذلك الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، إلى جانب تحسين نسبي في قطاعات الصحة والتعليم والإسكان.
كما لا يمكن إغفال نجاحات مثل القضاء على فيروس سي، والتوسع في الخدمات الطبية، وتطوير شبكات الطرق، وزيادة الاستثمارات في قطاعات الصناعة والسياحة، مع خطط طموحة لزيادة أعداد السائحين خلال السنوات القادمة.
هذا لا يعني أن المشهد خالٍ من المشكلات. على العكس، هناك تحديات اقتصادية حقيقية، وضغوط معيشية يشعر بها المواطن، إلى جانب الحاجة إلى إصلاحات أعمق في بعض السياسات، ومواجهة الفساد الإداري، وتحسين كفاءة بعض القيادات.
لكن بين النقد المشروع والإنكار الكامل، هناك مساحة يجب أن نتمسك بها: الاعتراف بالإنجازات دون تجاهل السلبيات.
مصر ليست دولة بلا أخطاء، لكنها أيضًا ليست كما يصورها البعض في مقارنات مجتزأة. هي دولة تحمل عبئًا ديموغرافيًا وجغرافيًا وسياسيًا ضخمًا، وتتحرك في مسار معقد بين التحديات والطموحات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن قوة الدول لا تُقاس برقم واحد، ولا بمقارنة عابرة، بل بقدرتها على الصمود، والتطور، وإدارة التوازن بين الواقع والمستقبل.