هل يُشرَّع الوطن من الخارج؟ وما الذي كان يجب أن يُقال… حين يُختبر سقف السيادة في لبنان

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

في الدول التي تحترم نفسها، تُصاغ القوانين داخل مؤسساتها، وتُعدَّل بإرادة شعوبها، وتُحمى بدساتيرها. أمّا أن يُطرح، ولو تلميحاً، أنّ مسؤولاً خارجياً يمكنه التأثير في إلغاء قانون لبناني سيادي، فهنا لا يعود السؤال قانونياً فقط… بل يصبح سؤالاً عن معنى الدولة وحدود كرامتها.

القانون الذي يُجرّم التعامل مع إسرائيل في لبنان ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء من منظومة قانونية وسياسية نشأت في سياق صراعٍ تاريخي معروف. قد يختلف اللبنانيون حول مقاربته، وقد ينقسمون حول مستقبله، لكن ما لا يمكن القبول به هو أن يُناقش إلغاؤه وكأنّه قرار يُتخذ خارج الحدود.

وقد زاد المشهد إرباكاً حين بادر أحد الصحافيين اللبنانيين إلى طرح هذا الموضوع مباشرةً أمام الرئيس الأمريكي مشيراً إلى أنّ لبنان يجرّم كل من يتعامل مع إسرائيل. وقد بدا التعجّب واضحاً على ملامحه من طبيعة السؤال، قبل أن يأتي جوابه صادماً في بساطته وحدّته: أنّه سيعمل على إلغاء هذا القانون.

هنا، لا يعود النقاش حول القانون نفسه، بل حول ما هو أخطر:
كيف يُمكن لمسؤول خارجي أن يتحدّث عن إلغاء قانون لبناني وكأنّ الأمر بيده؟
وهل وصلنا إلى مرحلة يُختبر فيها دستور الوطن على وقع تصريحات عابرة؟

إنّ الدستور في لبنان ليس وجهة نظر قابلة للتفاوض الخارجي، بل هو التعبير الأعلى عن سيادة الدولة. والقوانين التي تنبثق عنه لا تُلغى بضغط، ولا تُستبدل بإشارة، ولا تُعاد صياغتها وفق مصالح الآخرين، مهما كانت قوتهم أو نفوذهم.

لكن، في لحظة كهذه، لا يكفي الدفاع عن السيادة شكلاً… بل كان يجب أن يُقال ما هو أعمق. كان يجب أن يُنقل الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُعرض.

كان يمكن أن يُقال بوضوح: إنّ المصارف، ومعها طبقة سياسية، نهبت أموال المودعين، وتركت شعباً كاملاً أمام مصيرٍ ماليٍّ مجهول. كان يمكن أن يُسأل: كيف يُطلب من شعبٍ أن يثق بدولةٍ لم تحمِ حقوقه الأساسية؟

وكان يمكن أن يُطرح السؤال الذي يختصر خلل العدالة، كيف يُولد طفلٌ من أم لبنانية على أرض وطنه، ولا يُمنح جنسيته؟ أي منطق هذا الذي يُبقي الانتماء ناقصاً في بلدٍ يدّعي السيادة؟

وكان يمكن أيضاً أن تُعرض الحقيقة اليومية كما هي، شعبٌ يدفع فواتيره مرتين—مرة لدولةٍ عاجزة، ومرة لبدائل فرضها الانهيار—في الكهرباء والماء والاتصالات. أي دولة هذه التي يتقاضى فيها المواطن ثمن الخدمة… ولا ينالها؟

هذه ليست تفاصيل هامشية، بل صلب الأزمة اللبنانية. لأنّ أي نقاش مع الخارج يجب أن يبدأ من الداخل، من الاعتراف بالأخطاء قبل المطالبة بالحقوق.

المشكلة الأخطر ليست فقط في تصريحٍ خارجي، بل في قابلية البعض للتعامل معه وكأنّه قابل للتنفيذ. وكأنّ السيادة باتت مفهوماً مرناً، يُعاد تعريفه وفق الضغوط، لا وفق ثوابت الدولة.

إذا كان هناك من يرى ضرورة تعديل هذا القانون أو غيره، فليُطرح ذلك في المجلس النيابي، وليُناقش تحت قبّة المؤسسات، وليُحسم بإرادة لبنانية صِرفة. أمّا فتح الباب أمام التدخل الخارجي في صلب التشريع، فهو انزلاق خطير لا يهدد قانوناً بعينه، بل يهدد فكرة الدولة نفسها.

هل أصبح سقف لبنان إلى هذا الحد منخفضاً؟
هل بات دستورنا عرضة للتأويل وفق رغبات الخارج؟
وهل نقبل أن يتحوّل القرار الوطني إلى مادة نقاش خارج الحدود؟

إنّ الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرتها على حماية سيادتها من التآكل البطيء. وما نخشاه اليوم ليس قراراً مفروضاً فقط، بل اعتياد فكرة أنّ الخارج يمكن أن يقرّر عنا، فيما نحن نعجز حتى عن قول حقيقتنا كما هي.

لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، بل إلى جرأة داخلية. جرأة في كشف الخلل، في محاسبة المسؤولين، وفي إعادة بناء الدولة على أسس العدالة لا التسويات. لأنّ اللحظة التي نصمت فيها عن أزماتنا هي نفسها اللحظة التي نسمح فيها للآخرين بالتدخل في مصيرنا..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى