د. ليون سيوفي يكتب: حَربُ القُومِيسيونات: حينَ تُدارُ الدَّولةُ كصَفْقة

د. ليون سيوفي :
في لُبنان، لا تُدار السِّياسةُ على أساسِ المصلحةِ العامّة، بل على قاعدةٍ أُخرى غير مُعلَنة، مَن يربحُ الصَّفقة… يربحُ القرار
ليست المشكلةُ في غيابِ الخطط، ولا في نقصِ الكفاءات، بل في وجودِ نظامٍ كاملٍ يُتقنُ شيئًا واحدًا، إدارة القُومِيسيونات. نظامٌ يُحوِّلُ كلَّ ملفٍّ حيويّ إلى سوقٍ مفتوحة، وكلَّ مشروعٍ وطنيّ إلى فرصةِ اقتسام.
من الكهرباءِ التي ابتلعت ملياراتٍ بلا نتيجة، إلى الاتصالات التي تُدرُّ أرباحًا بلا شفافية، إلى المرافئ التي تُدار كأنها جزرٌ منفصلة… لا يمكن قراءة هذا الواقع كفشلٍ إداريّ. إنّه نجاحٌ كامل لنظامٍ آخر، نظامِ السَّمسرة المُقنَّعة.
كلُّ قطاعٍ في هذا البلد له “حامٍ سياسيّ”، وكلُّ عقدٍ يحتاج إلى “مُمرِّر”، وكلُّ شركةٍ أجنبيةٍ لا تدخل إلا عبر وسيطٍ محلّي. وهنا، لا يعودُ السؤال، هل المشروعُ مفيد؟ بل لِمَن تذهبُ الحِصص؟
الأخطرُ من ذلك، أنّ هذه المنظومة لا تعيشُ وحدها. إنّها تتغذّى من الخارج. دولٌ كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا ، وقوى إقليمية مثل المملكة السعودية وايران ، لا تتصارع هنا بخطاباتٍ علنية، بل عبر دعمِ شركاتٍ، وتمريرِ صفقاتٍ، وربطِ النفوذِ بالعقود. وهكذا، يتحوّلُ الداخلُ اللبناني إلى مرآةٍ لمصالح الخارج.
حين وقع انفجار مرفأ بيروت 2020، لم يكن الحدثُ مجرّد كارثةٍ إنسانية، بل لحظةَ انكشافٍ كبرى، تعدّدُ المرجعيات، غيابُ المسؤولية، وتشابكُ المصالح إلى حدّ العجز عن تحديد مَن يُحاسَب. وبعد الانفجار، لم تبدأ ورشةُ إنقاذٍ، بل بدأت معركةُ جديدة…مَن يُمسكُ بعقود إعادة الإعمار؟
في هذا النموذج، لا يعودُ الفشلُ خطأً… بل يصبحُ وظيفةً. لأنّ الحلَّ يعني إنهاءَ الصفقات، بينما الأزمةُ تعني استمرارَها.
لذلك، لن يُنقَذَ لبنان بخطابٍ عاطفي، ولا بوعودٍ انتخابية، ولا حتى بتغييرِ وجوهٍ ضمن اللعبة نفسها. الإنقاذُ يبدأ من كسرِ القاعدة التي تحكم كلّ شيء، فصلُ القرارِ العام عن منطقِ العُمولة.
وما لم يُطرَح هذا السؤال بجرأة…
مَن يحكم؟ الدولة أم شبكةُ الصفقات؟
سيبقى كلُّ حديثٍ عن الإصلاح مجرّد قِشرةٍ فوق نظامٍ لا يريدُ أن يُصلَح، بل أن يستمرّ.
لبنان لا يحتاجُ إلى معجزة.
إنّه يحتاجُ إلى قرارٍ واحدٍ واضح، أن يعودَ وطنًا… لا صفقة
