طبولُ الحرب تُقرَع مجدداً، إدارةُ التَّصعيد بدلَ إيقافِه

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم يعُد الحديث عن “هدنة” مطروحًا أساسًا، لا مُعلنة ولا غير مُعلنة. بل على العكس، ما نشهده اليوم هو عودةٌ واضحة لِـطبول الحرب، وتصاعُدٌ تدريجيّ في حدّة المواجهة، يُدار بعناية لكنّه يتّجه نحو مزيدٍ من التوتّر، لا نحو التهدئة.
ما يجري ليس هدوءًا، بل تصعيدٌ مُدار، حيث تتحرّك القوى الكبرى ضمن حدودٍ محسوبة، دون أن يعني ذلك أيّ اقتراب من تسوية. إنها مرحلة رفع السقوف، لا خفضها، ومرحلة اختبار الإرادات، لا تبريد الجبهات.
الولايات المتحدة، ومعها التوجّه الذي يمثّله دونالد ترامب، لا تعمل على تهدئة شاملة، بل على إعادة تشكيل ميزان القوى تحت الضغط. العقوبات، والرسائل العسكرية، والتحرّكات غير المباشرة، كلّها أدوات ضمن استراتيجية واحدة: فرض شروط جديدة على إيران، لا التوصّل إلى سلامٍ معها.
في المقابل، تتعامل إيران مع هذا الضغط بعقلٍ بارد. لا تتراجع، لكنها أيضًا لا تنجرّ إلى مواجهة مفتوحة. تعتمد سياسة الرَّدّ الموزون، وتستخدم أدواتها للحفاظ على حضورها دون أن تقدّم ذريعة لحربٍ كبرى. إنها معركة نَفَسٍ طويل، لا معركة ضربة واحدة.
أما بنيامين نتنياهو، فيقود إسرائيل ضمن عقيدة واضحة: التصعيد دون الانفجار. الضربات مستمرة، والاستهداف قائم، لكن ضمن نطاقٍ يمنع الانزلاق إلى حربٍ شاملة. التركيز على الجنوب اللبناني ليس صدفة، بل خيارٌ محسوب لتفادي فتح كل الجبهات دفعة واحدة.
لبنان، في هذا السياق، ليس خارج المعادلة، بل في قلبها. وجود حزب الله يجعله جزءًا مباشرًا من مسار المواجهة، ويضعه في موقع تأثّر دائم بتطوّراتها. الدولة اللبنانية، بضعفها الحالي، لا تملك القدرة على ضبط هذا المسار أو توجيهه، فتبدو وكأنها تتلقّى نتائج الصراع أكثر مما تصنعه.
الأخطر أن هذا النمط من “التصعيد المُدار” لا يقلّ خطورة عن الحرب، بل قد يكون أكثر خداعًا. لأنه يُبقي البلاد على حافة الانفجار بشكل دائم، ويجعل أيّ خطأ في الحسابات كفيلًا بإشعال مواجهة واسعة دون إنذارٍ مُسبق.
لا إيران ستُجبَر على توقيع استسلام، ولا إسرائيل قادرة على فرض سلام بالقوة، ولا الولايات المتحدة مستعدّة لدفع كلفة حرب شاملة. لذلك، يستمر المشهد كما هو: ضغط، وردّ، وضربات محدودة، دون حسم.
في ظلّ هذا الواقع، يبقى السؤال الحقيقي، أين موقع لبنان؟
هل يظلّ ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات، أم يتحوّل إلى دولة قادرة على فرض توازنها الخاص؟
المشكلة لم تعد فقط في الصراع الخارجي، بل في غياب القرار الداخلي.
فالدولة التي لا تُمسك بقرارها، تُصبح جزءًا من قرارات الآخرين.
نحن لا نعيش هدنة… بل على حافّة انفجارٍ مؤجَّل، حيثُ كُلُّ شيءٍ مُمكن، في أيِّ لحظة..