إلهام اليماني : الحرب الكبرى وتغيّر الموازين.. الصين تربح بصمت وأمريكا تدفع الثمن

ليست كل الحروب تُقاس بنتائج الميدان فقط، فهناك دول تربح من خلف الستار، وأخرى تخسر رغم امتلاكها القوة العسكرية الأكبر. وفي أي صراع واسع النطاق، تكون الدول ذات العقيدة القتالية أكثر صعوبة في الهزيمة، لأنها لا تعتمد فقط على السلاح، بل على القدرة على التحمل والصمود، وإن كان سقوطها يظل ممكنًا إذا جاءت أسباب الانهيار من الداخل أكثر من الخارج.
في هذه الحرب، تبدو الصين أكبر المستفيدين، يليها بفارق واضح روسيا. فرغم الحديث المتكرر عن اعتماد الصين على النفط والغاز، إلا أن بكين تدرك منذ سنوات أن أي مواجهة أمريكية إسرائيلية مع إيران قد تقود إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ما لوّحت به طهران مرارًا. ومن الطبيعي أن تكون الصين قد أعدّت نفسها عبر مخزونات استراتيجية، وعبر تنويع مصادر الطاقة، إضافة إلى تعاونها مع موسكو وشبكات التجارة البديلة.
المكسب الثاني للصين يتمثل في استنزاف القدرات الأمريكية، وكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية أمام العالم. كما أن استمرار إيران في الصمود يمنح بكين فرصة لمراقبة الأداء العسكري، وقراءة موازين القوى الحقيقية، وإرسال رسالة مباشرة إلى تايوان: إذا كانت واشنطن تجد صعوبة أمام دولة بحجم إيران، فكيف ستكون المواجهة أمام الصين؟
أما الهدف الثالث، فهو إضعاف المخزون الاستراتيجي الأمريكي، سواء اقتصاديًا أو عسكريًا، تمهيدًا لمرحلة أكثر حساسية في شرق آسيا. فملف تايوان لم يعد مؤجلًا إلى ما لا نهاية، بل أصبح جزءًا من صراع النفوذ العالمي القادم.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل وقد وقعت في وهم القوة المطلقة، مدفوعة بالدعم الأمريكي غير المحدود، خاصة بعد ما جرى في سوريا من انهيارات داخلية سهلت تمدد نفوذها. هذا الإحساس بالتفوق جعلها تتصرف باعتبارها قوة لا تُردع، رغم أن التجارب أثبتت أن الغطرسة السياسية كثيرًا ما تقود إلى أخطاء استراتيجية.
ورغم الرفض العربي المشروع لأطماع إيران وتدخلاتها عبر الميليشيات في عدة دول، فإن كثيرين يرون أن كبح الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية ضرورة لإعادة التوازن في المنطقة، وكسر صورة التفوق العسكري المطلق التي رُوّج لها طويلًا.
لكن ذلك لا يعني قبول الاعتداء على دول الخليج أو استهداف منشآتها النفطية والاقتصادية، فهذه أعمال مرفوضة تمس أمن المنطقة واستقرار شعوبها، وتزيد المشهد اشتعالًا.
الولايات المتحدة تبدو الآن في موقف أكثر حرجًا، خاصة مع تعثر مسارات التفاوض، ورفض طهران شروطًا تعتبرها مهينة. لذلك تحاول واشنطن العودة إلى تفاهمات ما قبل الحرب، حين كانت فرص التسوية أكبر، والممرات البحرية مفتوحة، والخسائر أقل.
أما لبنان، فيدفع مرة أخرى ثمن الفوضى الإقليمية، بينما تستغل إسرائيل انشغال العالم لتوسيع عدوانها وتدمير الجنوب وسط صمت دولي مؤلم.
ويبقى الأمل في تحركات إقليمية مسؤولة، وفي تنسيق عربي وإسلامي واسع يضم القوى الكبرى في المنطقة، من أجل احتواء الانفجار ومنع انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب شاملة.
حفظ الله مصر، قيادةً وشعبًا وجيشًا، وحفظ الأمة العربية من نار الفتن والحروب.