بين الضغوط والقرار… لا تُخطئ الحساب يا فخامة الرئيس

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تقيس الدول القرارات بحجم الضغوط، بل تقيسها بحجم نتائجها على الأوطان.

واليوم، يكثر الحديث عن احتمال لقاء يجمع فخامة الرئيس جوزاف عون برئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، تحت عناوين تبدأ بالتهدئة ولا يعرف أحد أين تنتهي.

وفي هذا السياق يقول البعض إن الظروف الصعبة تفرض هذا المسار، وإن الضغوط الدولية تدفع نحوه، وإن مصلحة لبنان تفرض الواقعية.

غير أن الحقيقة الأعمق أن بعض الخطوات، مهما يبررها أصحابها، قد تُكلّف الوطن أكثر مما تنقذه

فخامة الرئيس

انطلاقاً خوفي على مصلحة الوطن، وقرائتي لقيادتكم الحكيمة ، هو ما دفعني لكتابة هذه الرسالة.

إذ أكتب إليكم لا من موقع الخصومة، بل من موقع الحرص،

ولا من باب المزايدة، بل من باب المسؤولية الوطنية.

ومن هنا لبنان ليس بلداً عادياً في هذا الملف.

هو بلدٌ يقوم تاريخه الحديث على رفض العدو، وعلى توازنات دقيقة، وعلى ذاكرة جماعية لا تمحوها الأحداث بسهولة.

وبالتالي لا يقرأ الناس أي لقاء من هذا النوع، إن حصل، كخطوة تقنية، بل يقرأونه كتحوّل سياسي كبير يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها بسهولة.

وفي المقابل قد يقدم البعض هذا اللقاء على أنه خطوة ضرورية،

 فرصة لتثبيت الاستقرار،

أو مدخل لدعم دولي،

أو حماية للبنان من حرب مدمّرة،

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا يُعرض عليكم؟

بل ماذا سيدفع لبنان في المقابل؟

هل الضمانات مؤكدة؟

هل المكاسب فورية؟

أم أننا أمام وعود مؤجلة، مقابل تنازل واضح ومباشر؟

فخامة الرئيس

المشكلة ليست في القرار بحد ذاته، بل في توقيته وسياقه وشكله.

ومن جهة أخرى فأي خطوة تأتي تحت ضغط خارجي، دون غطاء داخلي صلب، تتحول سريعاً من “إنجاز سياسي” إلى عبء ثقيل.

والأخطر من ذلك أن الشارع اللبناني بكل انقساماته قد لا يتسامح مع خطوة يفهمها كسرًا للثوابت، حتى لو كانت تهدف إلى تجنب الأسوأ.

لذلك، لا يكفي أن تكون النوايا حسنة

بل يجب أن تكون النتائج واضحة، ومضمونة، وقابلة للدفاع عنها أمام الناس.

وعلى هذا الأساس علّمنا التاريخ أن الأوطان لا تُحمى بالتمنّي، وأن القرارات الكبرى لا تُبنى على حسن النية وحدها.

وبالمثل لا تُنال المطالبُ بالتمنّي، بل تُؤخذ الدنيا غِلابًا.

فخامة الرئيس

وفي هذا الإطار،إن الحفاظ على موقع الرئاسة لا يكون فقط باتخاذ القرارات الصعبة، بل أيضاً بتجنّب القرارات التي قد تفقدها ثقة الناس.

إذ ان التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، وبعض الخطوات، إن أُخذت، لا يمكن التراجع عنها.

لذلك،إن كان لا بد من التفاوض، فليكن من موقع قوة، وإن كان لا بد من قرار، فليكن بغطاء وطني جامع، وإن كان لا بد من خطوة، فلتكن محسوبة حتى النهاية.

أما أن يُدفع لبنان إلى مسارٍ غير واضح، تحت ضغط الخارج،

فهنا الخطر الحقيقي…

ليس فقط على السياسة،

بل على ما تبقى من ثقة بين الدولة وشعبها..

فخامة الرئيس
وفي الختام، الشعبُ تعب…

فهو لا يعبّر عن تعبٍ من الانتظار والوعود والحسابات التي لا تشبه وجعه اليومي.

ومن ثم فان الإنقاذُ ليس لعبة، ولا يُبنى على تقديرٍ خاطئ، ولا يأتي من غلطةِ مستشار.

بل على العكس يصنع القادة الإنقاذ كقرارٍ وطنيٍّ كبير، يصيب في لحظته أو يخطئ فيصيب الوطن كله.

لذلك لا تجعلوا لحظة الضغط تنتج خطأً لا يُغتفر…

ولا تسمحوا أن يدفع لبنان ثمنَ حساباتٍ لم يشارك في صنعها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى