د. ليون سيوفي يكتب: بين الاسم والتاريخ… حين تُبنى السياسة على رواية واحدة

بقلم : د. ليون سيوفي
في زمنٍ تتصارع فيه الروايات، لم يعد الخلاف فقط على الأرض… بل على المعنى ذاته. ومن أخطر ما يُطرح في النقاش، ذلك الإصرار على أن “إسرائيل كانت دولة قبل فلسطين”، وكأن التاريخ خط مستقيم يبدأ من رواية واحدة وينتهي عندها.
لنضع الأمور في سياقها الصحيح.
اسم “إسرائيل” في أصله الديني يعود إلى يعقوب، أي نبي، لا أرض. ومنه جاء “بنو إسرائيل”، أي جماعة بشرية، لا كيان سياسي حديث. ومع الزمن، استُخدم الاسم أيضاً لوصف ممالك قديمة، لكنها تبقى كيانات تاريخية ضمن عالم مختلف تماماً عن مفهوم الدولة المعاصرة.
أما الدولة الحالية، إسرائيل، فهي نتاج القرن العشرين، نشأت في سياق سياسي دولي معقّد، وليس امتداداً متواصلاً لكيان قائم منذ آلاف السنين.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور الحركة الصهيونية الحديثة، التي قادها اشخاص في أوروبا الشرقية والغربية، ومن بينهم يهود من أصول أشكنازية، سعوا إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بدعم دولي معروف، خصوصاً في مرحلة الانتداب.
لكن هنا أيضاً، لا بد من الدقة: اليهود ليسوا كتلة واحدة، ولا يمكن اختزالهم في فئة واحدة. فهناك يهود شرقيون (مزراحيم)، وسفارديون، وغيرهم، عاشوا لقرون داخل المجتمعات العربية والإسلامية كجزء من نسيجها. وبالتالي، فإن اختزال نشوء الدولة بعامل واحد أو جماعة واحدة، يُفقد التحليل عمقه.
أما في ما يتعلّق بالنصوص الدينية، وخصوصاً التوراة، فهي تتضمن إشارات إلى “أرض” مرتبطة ببني إسرائيل ضمن سياق ديني، يُنسب إلى وعود إلهية لنسل إبراهيم ومن بعده إسحاق ويعقوب. إلا أن هذا الطرح يبقى في إطاره اللاهوتي، لا في إطار قانوني أو سياسي معاصر.
فالنص الديني يُعبّر عن معتقد، لا عن وثيقة سيادة حديثة، وتحويله إلى أساس لحقٍّ سياسي حصري في الحاضر، هو انتقال من الإيمان إلى السياسة، لا من التاريخ إلى القانون.
المشكلة ليست في وجود اليهود كشعب أو ديانة، بل في تحويل مشروع سياسي حديث إلى “حقيقة تاريخية مطلقة”، واستخدام ذلك لتبرير واقع مفروض بالقوة. فـ فلسطين لم تكن أرضاً بلا شعب، ولا كانت يوماً صفحة بيضاء في كتاب التاريخ.
وإذا كان البعض يحاول الاستناد إلى روايات قديمة لتثبيت أحقية حصرية، فإن الدراسات الحديثة في علم الآثار والتاريخ تُظهر أن هذه الأرض كانت موطناً لشعوب متعددة، وفي مقدمتها الكنعانيون، الذين شكّلوا أحد أقدم المكونات الحضارية فيها. أما ما يُعرف ببني إسرائيل، فهناك جدل علمي واسع حول نشأتهم، حيث تشير بعض الدراسات إلى أنهم لم يكونوا جسماً منفصلاً وافداً بالكامل، بل نشأ جزء كبير منهم من داخل البيئة الكنعانية نفسها، في سياق تطور اجتماعي وديني محلي. وهذا يُسقط فكرة النقاء التاريخي أو الملكية الحصرية لأي طرف.
إن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل النقاش من حقوق الشعوب إلى جدلٍ حول تسميات، ومن واقعٍ قائم إلى سرديات متنازعة، كل طرفٍ فيها ينتقي من التاريخ ما يخدمه.
فالتاريخ لا يُختصر، ولا يُستخدم لإلغاء الآخر.
هذه الأرض لم تكن يوماً ملكاً حصرياً لجماعة واحدة، ولم تُبنَ هويتها عبر رواية أحادية. فاليهود، كما الفلسطينيين، هم جزءٌ من تاريخها، لكن لا يمكن تحويل هذا الحضور إلى حقٍّ سياسي مُطلق يُقصي الآخرين. فالتاريخ يُظهر تعدّد الجذور، لا احتكارها…
والأوطان لا تُبنى على رواية واحدة، بل على عدالةٍ تشمل الجميع.
ومع ذلك، يستمرّ البعض في الادعاء بأن هذه الأرض ملكٌ حصري لما يُسمّى “إسرائيل”، وهو ادعاء يقوم على قراءة انتقائية للتاريخ، تُحوّل رواية جزئية إلى حقيقة مطلقة، وتُسقط من الحساب وجود شعوبٍ أخرى كانت ولا تزال جزءاً أصيلاً من هذه الأرض..