الهدنة ماتت… والوطن يُساق إلى المجهول، والشعب يُدفع الثمن وحده

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

لم يعد السؤال: هل هناك حرب؟
بل: متى، وأين، وكيف ستشتعل الشرارة التالية؟

منذ سنوات، تدور المواجهة بين Iran وIsrael في الظلّ، عبر رسائل نارية محسوبة، وعمليات لا تُعلن بالكامل. لكن ما نشهده اليوم لم يعد مجرد “إدارة توتر”… بل اقتراب تدريجي من حافةٍ لا يمكن ضمان عدم السقوط منها.

الهدنة، التي قُدِّمت كفرصة لالتقاط الأنفاس، لم تصمد طويلاً.
فهي لم تكن نتاج توازنٍ مستقر، بل نتيجة ضغطٍ دوليٍّ مؤقت، سرعان ما تلاشى أمام تعقيدات الميدان.
وهنا تكمن خطورتها:
هدنةٌ بلا ضمانات… تعني حرباً مؤجّلة، لا سلاماً دائماً.

الهدنات الهشّة لا تُطفئ النزاعات، بل تُعيد ترتيبها.
تمنح الجميع وقتاً لإعادة التموضع… لا لإنهاء المواجهة.
ولهذا، كل خرقٍ لها لا يُفاجئ، بل يؤكد أن الأساس نفسه لم يكن صلباً.

في الظاهر، لا أحد يريد حرباً شاملة.
لكن في العمق، كلّ الأطراف ترفع منسوب الضغط إلى حدٍّ يجعل الانفجار مسألة وقت، لا احتمال.

المعادلة اليوم خطيرة:
تصعيد بلا سقف واضح…
وردود فعل لا يمكن توقّع حدودها…
وساحات متعددة جاهزة للاشتعال في أي لحظة.

أما لبنان، فليس خارج هذا المشهد… بل في قلبه.
ليس لأنه يريد ذلك، بل لأنه لم ينجح بعد في الخروج من كونه ساحةً لتقاطعات الآخرين.
وحين تتحوّل الهدنة إلى استراحة قصيرة بين جولتين، يصبح الخطر مضاعفاً… لأن الجميع يعرف أن ما بعد الهدوء، قد يكون أشدّ قسوة.

لكن الأخطر، والذي لا يُقال بصوتٍ عالٍ، هو ما يجري في الداخل:
ظهور من يراهنون على الحرب… أو يتعاملون معها كفرصة.
بعضهم يرى في اشتعال الجبهات وسيلةً لتصفية حسابات سياسية،
وبعضهم الآخر لا يتردّد في إظهار شماتةٍ صريحة،
حتى لو كانت النار تلتهم الوطن نفسه.

وهنا تنقلب المعايير:
بدل أن يكون الخطر الخارجي سبباً للوحدة،
يتحوّل إلى مادة انقسام…
وبدل أن يكون الوطن خطاً أحمر،
يُصبح تفصيلاً في معركة النفوذ.

الشماتة في لحظةٍ وطنية حرجة ليست موقفاً سياسياً…
بل إعلانٌ خطير عن فقدان البوصلة.
فحين يفرح البعض بما يُضعف خصمه الداخلي، حتى لو أضعف البلد بأكمله،
نكون أمام أزمة وعي… لا مجرد خلاف.

الأخطر من كل ذلك، ليس فقط احتمال الحرب…
بل اعتياد الناس على فكرة الحرب.

حين يصبح القلق يومياً…
والتصعيد خبراً عادياً…
والانقسام الداخلي أعمق من أي تهديد خارجي…
نكون قد دخلنا أخطر مرحلة: مرحلة فقدان الإحساس بالخطر.

إلى أين نحن ذاهبون؟
إلى هدَنٍ تُكسر تباعاً… أم إلى انفجارٍ كبير لا يمكن احتواؤه؟
إلى تسويات تُطبخ في الخارج… أم إلى واقعٍ يُفرض بالقوة على الأرض؟

الجواب لم يعد نظرياً…
بل يتشكّل الآن، خطوةً خطوة.

فإمّا أن تتحوّل الهدنة إلى مدخلٍ لحلٍّ حقيقي…
وإمّا أن تبقى مجرّد فاصلٍ زمنيٍّ قصير… قبل أن تعود النيران… هذه المرّة، بلا سقف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى