فخامة رئيس الجمهورية

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في مرحلةٍ هي الأخطر في تاريخ لبنان الحديث، حيث تتشابك الأزمات وتضيع البوصلة الوطنية، أتوجّه إليكم بهذه الرسالة انطلاقاً من مسؤولية وطنية صادقة، ومن قلقٍ عميق على وطنٍ يتآكل يوماً بعد يوم.
فخامة الرئيس،
لم يَعُد لدينا ترف الوقت.
ولم يَعُد مقبولاً أن يبقى لبنان رهينة الانتظار، أو ساحةً مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.
لقد تعب هذا الشعب…
تعب من الحروب التي لا قرار له فيها،
ومن التسويات التي لا تشبهه،
ومن سلطةٍ تتخبّط بين المحاور فيما الوطن ينهار.
لقد أثبتت التجارب، وبقسوة، أنّ لبنان حين يُزَجّ في صراعات الآخرين، يخسر دائماً. لا يربح حرباً، ولا يصنع استقراراً، بل يتحوّل إلى ساحةٍ تُدار فوق أرضها مشاريع الخارج، فيما يدفع اللبنانيون الثمن من أمنهم، واقتصادهم، وكرامتهم.
وهنا الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة:
لبنان اليوم ليس دولةً كاملة السيادة… بل ساحةٌ تتنازعها المشاريع.
إنّ أخطر ما يواجه لبنان اليوم، هو تعدّد المشاريع والرهانات التي تتنازع عليه:
فمنهم من يدعو إلى الارتهان لمحورٍ إقليمي،
ومنهم من يراهن على دعمٍ خليجي،
ومنهم من يطلب وصايةً غربية أو حمايةً دولية،
ومنهم من يطرح أشكالاً من اللامركزية قد تتحوّل إلى تفكيكٍ مقنّع للدولة،
ومنهم من يذهب إلى خياراتٍ خطيرة تحت ذرائع أيديولوجية أو دينية.
كما أنّ الانقسام لا يتوقّف هنا، بل يمتد إلى رهاناتٍ دولية واضحة:
فمنهم من يراهن على الولايات المتحدة،
ومنهم من يتجه نحو روسيا،
ومنهم من يرى في الفاتيكان مظلّةً،
ولا يُستبعد أن هناك من يفكّر بخياراتٍ أبعد، كالدعم الصيني.
وهكذا، يتحوّل لبنان إلى خريطة انتظار…
كل فريقٍ فيه يعلّق مصيره على الخارج، لا على قوة الدولة في الداخل.
لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها..
لا الأميركي سيبني دولتنا، ولا الروسي سيحمي وحدتنا، ولا أي قوةٍ خارجية يمكن أن تصنع وطناً إذا لم نصنعه نحن.
إنّ الرهان على الخارج، مهما اختلفت وجوهه، هو في جوهره تخلٍّ عن القرار الوطني.
والخلاص لا يكون بتغيير الجهة التي نراهن عليها…
بل بإنهاء منطق الرهان نفسه.
وفي موازاة ذلك، تبرز دعواتٌ للجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة تحت شعار الحماية.
لكن، أليس هذا بحدّ ذاته تناقضاً مع مفهوم السيادة؟
كيف نرفض التدخل… ثم نطلبه بأيدينا؟
فخامة الرئيس،
في لحظاتٍ مصيرية كهذه، لا يكفي الاكتفاء بما يُقدَّم من قراءاتٍ أو نصائح،
فكثيرٌ ممّن يُحيطون بالقرار قد يكونون أسرى حساباتٍ ضيّقة، أو توازناتٍ لم تَعُد تُنقذ وطناً.
إنّ لبنان اليوم لا يحتاج إلى من يُدير الأزمة،
بل إلى من يجرؤ على كسرها.
والتاريخ يُثبت أنّ اللحظات الكبرى لا تُصنع داخل دوائر مغلقة،
بل بقرارٍ يتجاوز الحسابات التقليدية، وينحاز إلى مصلحة الوطن أولاً.
فخامة الرئيس،
لبنان لا يحتاج إلى إدارة أزمة…
بل إلى قرارٍ يُنهي الأزمة.
وهذا القرار يبدأ بـ حياد لبنان.
لكن الحقيقة الأعمق…لا حيادَ فعلياً دون اقتصادٍ قوي،
ولا اقتصادَ سليماً دون دولةٍ حديثة.
ومن هنا، أطرح رؤية متكاملة تقوم على ثلاث ركائز..
أولاً: حياد لبنان
دولةٌ لا تتدخل في صراعات الآخرين، ولا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها، وتُعيد القرار الوطني إلى مؤسساتها الشرعية.
ثانياً: التمويل بالنمو
نموذج اقتصادي يقوم على..تحفيز الإنتاج، خلق فرص العمل، وربط التمويل بالنمو الحقيقي لا بالديون، بما يُحرّر لبنان من الابتزاز ويُعيد الثقة.
ثالثاً: دستور عصري جديد
عقدٌ اجتماعي حديث…
يُرسّخ المواطنة بدل الطائفية،
يُعيد التوازن بين السلطات،
ويمنع التفرّد،
ويُحصّن القرار الوطني.
فخامة الرئيس،
إنّ الجمع بين هذه الركائز ليس طرحاً نظرياً، بل مشروع إنقاذ متكامل.
إنّ التردّد اليوم لم يَعُد حياداً… بل خطر.
والصمت لم يَعُد حكمة… بل مشاركة في الانهيار.
اللبنانيون لا ينتظرون خطابات ، بل ينتظرون قراراً تاريخياً يعيد لهم وطنهم.
أنتم اليوم أمام لحظةٍ لا تتكرّر..إمّا أن تُسجّلوا أنفسكم في موقع من أنقذ لبنان، أو أن يُضاف هذا العهد إلى سجلّ الفرص الضائعة.
القرار اليوم بين أيديكم، ونأمل أن يتحوّل هذا الخيار إلى مطلبٍ جامع لكلّ مواطنٍ حر، يؤمن بأنّ هذا الوطن يستحق أن يكون دولةً… لا ساحة.
إنني د. ليون سيوفي، أُعلن بوضوح أنّني أتبنّى حياد لبنان، والتمويل بالنمو، والمطالبة بدستورٍ عصري جديد، كركائز أساسية في رؤيتي لإنقاذ الوطن.
وأدعو كلّ لبنانيٍ حر إلى أن يرفع صوته،
لأنّ الأوطان لا تُنقذ بالصمت، بل تُنقذ عندما يتحوّل الوعي إلى موقف… والموقف إلى قرار.