صناعة الشيخ اليوم .. أزمة ثقة !؟… حين يختلط الدين بالهوية .. الأزمة تصبح أعمق

 بقلم : على خليل

 حين يختلط الدين بالهوية  يتحول الى أداة تفكيك بطيء لهدم المجتمع

عندما يتحول الدين من منظومة قيم جامعة إلى علامة هوية تُفرّق بين الناس، تبدأ أولى شروخ المجتمع في الظهور. تختفي المساحات المشتركة، ويتراجع العقل لصالح الانتماء الضيق، ويصبح الاختلاف تهديدًا لا ثراءً. هنا لا يُستخدم الدين للبناء، بل يتحول دون قصد إلى أداة تفكيك بطيء للمجتمع.    

ازمة الخطاب الديني في مصر مجرد مسألة فتاوى متضاربة أو تعدد في الآراء. الأزمة أصبحت أعمق من ذلك، وتمتد إلى سؤال أخطر: هل ما يُقدَّم يعبر عن الهوية المصرية فعلًا، أم يعكس نماذج مستوردة من خارجها؟

لفترة طويلة، كان هناك شكل واضح لما يمكن تسميته “الإسلام المصري”. هذا النموذج لم يكن مكتوبًا في وثيقة، لكنه كان حاضرًا في الممارسة اليومية، وفي خطاب العلماء داخل الأزهر الشريف. اتسم بالمرونة، والاعتدال، والقدرة على التعايش مع تنوع المجتمع.

هذا النموذج لم يكن منعزلًا عن العالم العربي، لكنه كان يحتفظ بخصوصيته. فمصر تاريخيًا لم تنقل الدين كما هو من الخارج، بل أعادت إنتاجه بما يتناسب مع طبيعتها الاجتماعية والثقافية.

لكن مع الانفتاح الإعلامي، بدأت هذه الخصوصية تتعرض لاختبار حقيقي.

دخلت إلى المشهد أنماط مختلفة من الخطاب الديني، بعضها قادم من بيئات خليجية، وبعضها متأثر بتيارات أوسع في المنطقة. هذه الأنماط لم تكتفِ بتقديم رؤى مختلفة، بل حملت معها أيضًا أشكالًا مختلفة في اللباس، وطريقة الحديث، وطبيعة العلاقة مع المجتمع.

في هذه اللحظة، بدأ التداخل.

الجمهور لم يعد يتلقى نموذجًا واحدًا، بل عدة نماذج متباينة. بعض هذه النماذج لا يعبر بالضرورة عن السياق المصري، لكنه يصل بنفس القوة، بل أحيانًا بقوة أكبر، بسبب الدعم الإعلامي أو الانتشار الرقمي.

وهنا ظهرت أزمة الثقة.

جزء من الجمهور بدأ يشعر بأن الخطاب المقدم له لا يشبهه. لا يعكس طريقته في الحياة، ولا يتناسب مع تركيبته الاجتماعية. في المقابل، يجد خطابًا آخر أكثر قربًا، لكنه قد يفتقد إلى العمق العلمي أو الاستقرار المرجعي.

هذا التناقض يضع المتلقي في حالة ارتباك.

هل يختار خطابًا يعبر عنه لكنه أقل تأصيلًا؟
أم يلتزم بنموذج تقليدي يثق فيه لكنه يشعر أحيانًا بأنه بعيد عن واقعه؟

الأزمة هنا ليست في وجود نماذج مختلفة، فهذا أمر طبيعي. المشكلة في غياب إطار واضح يربط بين الدين والهوية المحلية. حين يحدث هذا الانفصال، يصبح الدين وكأنه “مستورد”، وليس جزءًا من النسيج الاجتماعي.

في دول الخليج، مثلًا، يرتبط الخطاب الديني بطبيعة المجتمع هناك، ويعكس تركيبته الثقافية. نفس الأمر ينطبق على مجتمعات عربية أخرى. لكن في مصر، حيث التنوع أوسع والتاريخ أطول، يصبح نقل هذه النماذج بشكل مباشر أمرًا إشكاليًا.

المسألة ليست مقارنة أو تفضيل، بل فهم للسياق. ما يصلح في بيئة، قد لا يعمل بنفس الكفاءة في بيئة أخرى.

ومع انتشار المنصات الرقمية مثل يوتيوب وفيسبوك، لم تعد هناك حدود واضحة بين هذه النماذج. الجميع حاضر في نفس المساحة، ويتنافس على نفس الجمهور.

هذا التداخل يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل مسألة الثقة أكثر صعوبة.

في النهاية، لا يمكن اختزال الأزمة في صراع بين “قديم” و”حديث”، أو بين “مصري” و”خليجي”. الصورة أكثر تركيبًا من ذلك. لكنها تدور في جوهرها حول سؤال بسيط: كيف نحافظ على هوية دينية تعبر عن المجتمع، دون أن ننغلق على أنفسنا أو نذوب في نماذج أخرى؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من استعادة التوازن. توازن بين الانفتاح والخصوصية، بين التأثير الخارجي والمرجعية الداخلية، وبين الحضور الإعلامي والعمق العلمي.

هنا نستطيع ان نقول ان أزمة الثقة في الخطاب الديني ليست نتيجة تعدد الأصوات فقط،
بل نتيجة غياب رابط واضح بين الدين وهوية المجتمع.

وحين يضعف هذا الرابط،
لا يعود السؤال: من يتحدث؟
بل: هل ما يُقال يشبهنا أصلًا؟

* (*2*)*

من يصنع الشيخ اليوم؟

لم يعد تكوين رجل الدين يمر بمسار واحد كما كان في السابق. في الماضي، كان الطريق معروفًا: دراسة منتظمة داخل مؤسسة دينية، ثم تدرّج في المراحل العلمية، ثم ظهور تدريجي أمام الجمهور. هذا النموذج ما زال قائمًا، وتمثله مؤسسات مثل الأزهر الشريف، لكنه لم يعد الوحيد.

اليوم، هناك مسارات متعددة يمكن أن تؤدي إلى نفس النتيجة: حضور واسع وتأثير مباشر على الجمهور. القنوات الفضائية فتحت الباب لظهور دعاة جدد، يعتمدون على القدرة على التواصل المباشر، وتبسيط الخطاب، والوصول إلى فئات لم تكن تتابع الخطاب التقليدي.

مع تطور المشهد، أصبح الإعلام شريكًا في صناعة هذا الحضور. لم يعد دوره يقتصر على عرض المحتوى، بل أصبح يحدد إلى حد كبير من يظهر وكيف يظهر. معايير الاختيار لم تعد علمية فقط، بل تشمل القدرة على جذب الجمهور وتحقيق نسب مشاهدة.

ثم جاءت المنصات الرقمية مثل يوتيوب وفيسبوك لتغير المعادلة بشكل أكبر. هذه المنصات لا تعتمد على التقييم التقليدي، بل على التفاعل. المحتوى الذي يحقق مشاهدة أعلى أو تفاعلًا أكبر يحصل على انتشار أوسع، بغض النظر عن مستواه العلمي.

هذا التحول أدى إلى ظهور نمط جديد يمكن وصفه بـ”الداعية الرقمي”. شخص يعتمد بشكل أساسي على حضوره عبر الإنترنت، ويستمد تأثيره من عدد المتابعين ونسبة التفاعل. هذا لا يعني بالضرورة ضعف المحتوى، لكنه يغيّر معيار الانتشار.

المال أيضًا أصبح عنصرًا مؤثرًا. إنتاج البرامج، إدارة الصفحات، التسويق الرقمي، كلها تحتاج إلى موارد. هذا يخلق تفاوتًا في فرص الظهور، حيث يحصل من يملك دعمًا أكبر على مساحة أوسع، بينما قد يتراجع حضور آخرين رغم امتلاكهم تأهيلًا علميًا قويًا.

في الخلفية، تبقى السياسة عاملًا حاضرًا، حتى لو لم يظهر بشكل مباشر. تحديد المساحات المتاحة، وطبيعة الخطاب المقبول، كلها عوامل تتأثر بالسياق العام. هذا لا يعني وجود توجيه مباشر دائمًا، لكنه يعني أن المشهد لا يتحرك في فراغ.

في النهاية، لم يعد هناك نموذج واحد لصناعة الشيخ. تعددت المسارات، وتنوعت الأدوات، وتغيرت معايير الانتشار. هذا التنوع قد يكون إيجابيًا من حيث إتاحة خيارات متعددة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا: كيف يمكن التمييز بين التأثير الحقيقي والتأثير المصنوع؟

الإجابة عن هذا السؤال لم تعد مسؤولية المؤسسات فقط، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين من يقدم الخطاب ومن يتلقاه.

*(*3*)*

حين فقد الزي معناه

لم يعد الزي الديني كما كان في الماضي. لم يعد دليلًا واضحًا على المسار العلمي أو الانتماء المؤسسي. لفترة طويلة، كان المشهد مستقرًا: من يرتدي العمامة الأزهريّة هو شخص تدرّج داخل الأزهر الشريف، ويمثل مدرسة معروفة في الفهم والاعتدال. لم يكن الجمهور بحاجة إلى كثير من الأسئلة، لأن الشكل كان يعكس مضمونًا واضحًا.

هذا الوضع تغيّر تدريجيًا مع توسع وسائل الإعلام، خاصة القنوات الفضائية، ثم لاحقًا مع انتشار المنصات الرقمية. خرج الخطاب الديني من نطاقه التقليدي، وأصبح متاحًا على نطاق واسع، وتحوّل من نشاط مرتبط بالمؤسسة إلى مساحة مفتوحة يشارك فيها أفراد من خلفيات مختلفة.

مع هذا التحول، لم يعد الزي شرطًا للظهور، بل أصبح اختيارًا شخصيًا. البعض حافظ على الشكل التقليدي، والبعض الآخر قدّم نفسه بملابس مختلفة، أقرب إلى الشكل المدني أو المزيج بين أكثر من نمط. في هذه المرحلة، بدأ الزي يفقد دلالته القديمة، لأنه لم يعد مرتبطًا بشكل مباشر بالمسار العلمي.

المشكلة لا تتعلق بتنوع الأشكال، فالتنوع طبيعي في أي مجتمع. لكن الإشكالية ظهرت عندما تراجع معيار التقييم الواضح. لم يعد من السهل على الجمهور التفرقة بين من يمتلك تأهيلًا علميًا حقيقيًا، ومن يعتمد على الحضور الإعلامي فقط. ومع تكرار الظهور، يمكن أن تتكوّن ثقة سريعة لا تستند بالضرورة إلى أساس معرفي قوي.

وسائل الإعلام لعبت دورًا مهمًا في هذا التحول. لم تعد تكتفي بنقل الخطاب، بل أصبحت جزءًا من تشكيله. اختيار الضيوف، أسلوب التقديم، وطريقة الإخراج، كلها عناصر تؤثر في صورة المتحدث، وقد تمنحه حضورًا يتجاوز حجم خبرته الفعلية.

في الوقت نفسه، تغيّر سلوك الجمهور. لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح يختار من يتابعه، ويكوّن صورته بناءً على ما يراه بشكل متكرر. هذا التغيير نقل جزءًا من المسؤولية إلى المتلقي، لكنه لم يمنحه دائمًا الأدوات الكافية للحكم.

الخلاصة أن الزي لم يعد كافيًا للحكم على صاحبه. فقد دلالته القديمة باعتباره مؤشرًا مباشرًا على العلم. ومع غياب معيار واضح بديل، أصبح التقييم أكثر تعقيدًا، وأحيانًا أكثر عرضة للخطأ.

*(*4*)*

من يستعيد الثقة؟

الوصول إلى تشخيص الأزمة خطوة مهمة، لكنها لا تكفي.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: من يمكنه استعادة الثقة في الخطاب الديني؟

الإجابة لا يمكن أن تكون طرفًا واحدًا. المشهد تغيّر، وأصبح أكثر تعقيدًا من أن تعالجه جهة واحدة أو نموذج واحد. استعادة الثقة تحتاج إلى تفاعل بين عدة أطراف، كل منها يتحمل جزءًا من المسؤولية.

في المقدمة، تبقى المؤسسات الدينية التقليدية، وعلى رأسها الأزهر الشريف. هذه المؤسسات تمتلك رصيدًا تاريخيًا وعلميًا كبيرًا، لكنها مطالبة اليوم بتطوير أدواتها، وليس فقط الدفاع عن مكانتها. الحضور العلمي وحده لم يعد كافيًا إذا لم يصاحبه حضور إعلامي فعال قادر على الوصول إلى الجمهور بلغة واضحة.

التحدي هنا ليس في تغيير جوهر الخطاب، بل في طريقة تقديمه. .. الجمهور اليوم مختلف، ووسائل الوصول إليه تغيرت. إذا لم تتكيف المؤسسات مع هذه التغيرات، ستفقد جزءًا من تأثيرها، حتى لو احتفظت بمكانتها الرسمية.

في المقابل، يتحمل الدعاة الجدد مسؤولية لا تقل أهمية. الانتشار الواسع يفرض التزامًا أكبر بالمعايير العلمية. القدرة على التأثير لا يجب أن تنفصل عن المسؤولية. كل كلمة تصل إلى آلاف أو ملايين المتابعين تترك أثرًا، وهذا الأثر يجب أن يكون محسوبًا.

المشكلة ليست في ظهور نماذج جديدة، بل في غياب ضوابط واضحة تحكم هذا الظهور. وجود مساحة مفتوحة لا يعني غياب المعايير، بل يستدعي التأكيد عليها بشكل أكبر.

الإعلام أيضًا جزء أساسي من المعادلة. دوره لا يجب أن يقتصر على البحث عن نسب المشاهدة، بل يمتد إلى تقديم محتوى متوازن، يفتح المجال لوجهات نظر متعددة، دون أن يخلط بين الرأي العلمي والرأي السريع.

أما المنصات الرقمية مثل يوتيوب وفيسبوك، فهي واقع لا يمكن تجاهله. التعامل معها لا يكون برفضها، بل بفهم قواعدها. يمكن استخدامها لنشر خطاب جاد، لكن ذلك يتطلب وعيًا بكيفية العمل داخل هذه البيئة، دون الانجراف الكامل وراء منطق “الترند”.

يبقى الطرف الأهم في هذه المعادلة هو الجمهور. المتلقي لم يعد سلبيًا، بل أصبح شريكًا في تشكيل المشهد. اختياراته، وما يتابعه، وما يشاركه، كلها عوامل تحدد من يبرز ومن يتراجع. لذلك، يصبح الوعي النقدي ضروريًا. ليس المطلوب أن يتحول كل شخص إلى متخصص، لكن الحد الأدنى من التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى السطحي أصبح ضرورة.

استعادة الثقة لا تعني العودة إلى الماضي كما كان، لأن الواقع تغير. لكنها تعني بناء نموذج جديد يجمع بين الأصالة والتحديث. نموذج يحافظ على العمق العلمي، وفي الوقت نفسه يمتلك القدرة على الوصول والتأثير.

في النهاية، الثقة لا تُفرض، بل تُبنى تدريجيًا. تُبنى من خلال الاتساق بين القول والفعل، ومن خلال وضوح المرجعية، ومن خلال احترام عقل الجمهور.


السطر الاخير

لا يمكن استعادة الثقة بقرار،
ولا يمكن فرضها عبر الظهور الإعلامي فقط.

المعركة لم تعد على من يتحدث باسم الدين،
بل على من يستطيع أن يُقنع الناس بأنه يستحق أن يُسمع.

الثقة تُبنى حين يلتقي:
العلم الحقيقي… مع التقديم الجيد… مع وعي الجمهور.


اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى