خالد رويحة : المنطقة أمام هدنة مشروطة فوق برميل بارود

إيران تقول : ارفعوا الحصار وخففوا العقوبات وسنفتح المضيق بالكامل.

.. وأمريكا تقول : افتحوا المضيق أولًا وبعدها نتحدث عن الأموال والعقوبات.

… و”إسرائيل” تدخل مرحلة قلق استراتيجي غير مسبوق.

المنطقة لا تقف أمام “اتفاق سلام” كما يحاول البعض تصويره، بل أمام هدنة مشروطة فوق برميل بارود، هدنة تشبه رجلين يتصافحان بيد، بينما اليد الأخرى ما زالت على الزناد.

ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران ليس نهاية حرب، بل إعادة ترتيب ساحات الاشتباك، ومحاولة شراء وقت قبل الجولة القادمة، لأن كل بند داخل مذكرة التفاهم يحمل في داخله بذرة انفجار جديدة.

ترامب اتصل بزعماء الخليج ومصر وتركيا وباكستان، والاتصالات لم تكن من باب المجاملات السياسية، بل لأن الخليج كله أصبح يقف فوق خزان نار اسمه مضيق هرمز، وأي شرارة جديدة كفيلة بتحويل الاقتصاد العالمي إلى حطام عائم فوق البحر.

أمريكا فهمت أخيرًا أن المسألة لم تعد مجرد ملف نووي، وأن إيران نجحت في نقل المعركة من “منع التخصيب” إلى “أمن الطاقة العالمي”، وهنا تغيرت قواعد اللعب بالكامل.

قبل الحرب كان الغرب يتحدث عن اليورانيوم، وبعد الحرب صار العالم كله يتحدث عن المضيق.

وهنا أول انتصار سياسي حققته طهران.

الحديث عن إزالة الألغام البحرية وفتح الملاحة ليس تفصيلًا صغيرًا كما يعتقد البعض، بل هو قلب الاتفاق كله، لأن واشنطن تعلم أن الاقتصاد العالمي لا يحتمل بقاء هرمز تحت التهديد.

لكن المشكلة أن كل طرف يريد من الآخر أن يتحرك أولًا.

إيران تقول: ارفعوا الحصار وخففوا العقوبات وسنفتح المضيق بالكامل.

وأمريكا تقول: افتحوا المضيق أولًا وبعدها نتحدث عن الأموال والعقوبات.

وهكذا تحولت الهدنة إلى لعبة أعصاب طويلة، كل طرف ينتظر أن يرمش الآخر أولًا.

أما الملف النووي، فهنا تظهر الحقيقة التي يحاول الإعلام الغربي إخفاءها خلف العناوين الكبيرة.

واشنطن تراجعت خطوة إلى الخلف.

نعم، تراجعت.

لأن أمريكا التي دخلت المعركة وهي تتحدث عن “إنهاء البرنامج النووي الإيراني”، خرجت الآن وهي توافق على “تأجيل النقاش” وفتح خطوط تفاوض جديدة.

وهذا بحد ذاته اعتراف أن الحسم العسكري لم ينجح في فرض الشروط الأمريكية الكاملة.

إيران فهمت اللعبة جيدًا: طالما الملف قيد التفاوض، فهذا يعني أن التخصيب لم يُدفن، وأن المشروع ما زال حيًا ولو تحت الطاولة.

ولهذا خرجت التصريحات الإيرانية بهدوء مدروس: لا نريد سلاحًا نوويًا، لكننا لن نتنازل عن حقوقنا.

رسالة مزدوجة: طمأنة للخارج، وتثبيت للقوة في الداخل.

اللافت أكثر أن الاتفاق لم يقترب أصلًا من البرنامج الصاروخي الإيراني.

وهذه نقطة مرعبة بالنسبة لـ “إسرائيل”.

لأن معنى ذلك أن إيران ما زالت تحتفظ بأقوى أدوات الردع لديها، بل وربما ستعمل خلال السنوات القادمة على تطويرها أكثر، خصوصًا بعد الدروس العسكرية الأخيرة.

ولهذا يظهر القلق داخل كيان الاحتلال بهذا الشكل الهستيري.

نتنياهو كان يريد حربًا تنهي المشروع الإيراني بالكامل، لكنه وجد نفسه أمام تفاهم يترك إيران واقفة على قدميها، بل ويمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.

أما جنوب لبنان، فهنا يكمن اللغم الحقيقي داخل الاتفاق.

لأن حزب الله أعلن بوضوح أن السلاح ليس مطروحًا للنقاش.

وهذا يعني أن جبهة الجنوب قد تبقى مشتعلة حتى مع وجود هدنة أمريكية إيرانية.

هنا تحديدًا تبدأ العقدة:

إذا استمرت “إسرائيل” في عملياتها داخل الجنوب، فإن طهران ستكون تحت ضغط مباشر من حلفائها.

وإذا رد حزب الله بقوة، قد تستخدم واشنطن ذلك ذريعة لإعادة التصعيد.

وعندها قد تعود إيران لإغلاق هرمز من جديد.

أي أننا أمام اتفاق يمكن أن ينهار من جنوب لبنان، لا من طهران أو واشنطن.

المشهد كله يكشف شيئًا مهمًا جدًا:

أمريكا لم تعد تتحرك من موقع القوة المطلقة كما في السابق.

قبل سنوات كانت واشنطن تفرض الشروط ثم تطلب التوقيع.

أما اليوم فهي تتفاوض تحت ضغط: ضغط المضيق، ضغط النفط، ضغط القواعد العسكرية، وضغط الخوف من توسع الحرب.

بينما إيران، رغم الضربات والخسائر، استطاعت أن تفرض نفسها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه.

ولهذا يرى كثيرون أن طهران خرجت سياسيًا أقوى مما كانت عليه قبل الحرب.

ليس لأنها انتصرت عسكريًا بشكل كامل، بل لأنها منعت خصومها من تحقيق أهدافهم الكبرى.

لكن لا أحد يجب أن يبالغ في التفاؤل.

فالمنطقة لم تدخل مرحلة استقرار، بل دخلت مرحلة “تجميد نار”.

كل شيء قابل للانفجار: هرمز، جنوب لبنان، سوريا، القواعد الأمريكية، وحتى الداخل الإسرائيلي نفسه.
ولهذا فإن أخطر ما في الاتفاق ليس ما كُتب فيه، بل ما تُرك خارجه.

فالشيطان لا يكمن في التفاصيل فقط، بل أحيانًا يكمن في الصمت نفسه.

إذا صمد هذا التفاهم، فسنرى خلال السنوات القادمة شرق أوسط مختلفًا:

إيران تستعيد جزءًا من اقتصادها وقوتها.

الخليج يخفف التوتر تدريجيًا.

أمريكا تعيد تموضعها بدل المواجهة المباشرة.

و”إسرائيل” تدخل مرحلة قلق استراتيجي غير مسبوق.

أما إذا انهار الاتفاق، فإن المنطقة قد تدخل واحدة من أعنف جولات الصدام في تاريخها الحديث، وحينها لن تكون الحرب مجرد ضربات متبادلة، بل معركة كسر عظم مفتوحة من الخليج حتى البحر المتوسط.

✍🏻 خالد رويحة | 𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى