التلميذ .. والوزير .. والاستاذ – لا تُقارنوا الخبز… قارنوا العدالة

مقال – عرب تليجراف – بقلم: علي خليل

في توقيت دقيق تمر به الدولة المصرية، لم يعد مقبولًا أن تُدار المعركة مع وعي المواطن بأدوات قديمة، أو بلغة قد تُفهم على غير مقصدها. فالكلمة اليوم ليست مجرد تصريح… بل قرار، وقد تكون أحيانًا أخطر من القرار نفسه.

خلال الأيام الماضية، أثار تصريح لوزير الإعلام نقاشًا واسعًا، عندما قارن بين عدد الأرغفة التي يستهلكها المواطن الفرنسي ونظيره المصري، في محاولة لإبراز الفارق في تكلفة الخبز.
لكن السؤال هنا ليس في الأرقام… بل في زاوية النظر.


المقارنة التي ظلمت الواقع

المقارنة بين المواطن المصري والمواطن الفرنسي في استهلاك الخبز تبدو – في ظاهرها – رقمية، لكنها في حقيقتها اجتماعية واقتصادية عميقة.

المواطن الفرنسي لا يعتمد على الخبز كعنصر أساسي وحيد في الوجبة، بل قد لا يتناوله أصلًا في بعض الوجبات.
لديه بدائل، تنوع غذائي، وقدرة شرائية تسمح له بتوزيع احتياجاته بين البروتين والخضروات والمنتجات المختلفة.

أما المواطن المصري، فالأمر مختلف تمامًا. الخبز ليس مجرد عنصر… بل ركيزة أساسية. ليس اختيارًا… بل ضرورة.


حين يتحول الرغيف إلى وجبة كاملة

دعنا نقترب أكثر من الواقع.

مواطن بسيط، دخل محدود، يحاول أن يُطعم أسرته. لا يملك رفاهية التنوع، ولا قدرة على تعدد الأصناف.

وجبة بسيطة: بعض أقراص الطعمية…قطعة جبن ان استطاع ان يشتريها …
بصل أخضر…

كيف يتعامل معها؟

يقسم قرص الطعمية إلى نصفين، يضع جزءًا في رغيف، والآخر في رغيف ثانٍ.
أما الرغيف الثالث، فيكتفي بأن “يلمس” به قطعة الجبن.

ليست مبالغة… بل حيلة بقاء.

أسرة مكونة من 5 أفراد:
3 أرغفة للفرد في الوجبة الواحدة = 15 رغيفًا.

هنا لا نتحدث عن إسراف… بل عن تعويض نقص. كلما ارتفع الدخل، قلّ الاعتماد على الخبز.
وكلما ضاق الحال… زاد استهلاك الأرغفة.

انظر الى الشارع يا استاذ وشاهد فروق النمو الجسدى بين الاطفال والشبا ب فى جميع مراحلهم السنية (عظام يغطيها جلد – وجوه صفراء – صدور تعلو وتهبط بمشقة وووووو) وما بالك بالمواليد ؟؟؟؟؟؟


المشكلة ليست في الرغيف… بل في الرسالة

حين تُطرح المقارنة بهذه الطريقة، تصل رسالة غير عادلة للمواطن:
“احمد ربنا… أنت أفضل من غيرك”.

لكن المواطن لا يريد مقارنة نفسه بغيره…
يريد أن يشعر أن دولته تفهمه.

لا تُحاصره بالرغيف…
ولا تختزل حياته في رقم.


من الصحفي إلى الوزير: اختبار مختلف

وزير الإعلام الحالي ليس غريبًا عن المهنة. هو صحفي كبير، شغل مواقع مهمة، ويملك خبرة طويلة.

لكن الانتقال من الصحافة إلى الوزارة ليس مجرد ترقية… بل تحول في الدور بالكامل.

لماذا حين يصبح الصحفي وزيرًا، يصل إلى قمة الهرم. يصبح هو “الأستاذ”.؟

وهنا تكمن المشكلة التي تتكرر مع كثيرين: الإحساس بأن القرار يمكن أن يُصنع بجملة، أو يُدار بتصريح، أو يُحسم بمشروعين. لكن إدارة الوعي ليست بهذه البساطة.


لماذا لا نتعلم من السابقين؟

سؤال مشروع:
لماذا لا يجلس الوزير – أي وزير – على “مقعد التلميذ” أولًا؟

لماذا لا يفتح ملفات من سبقوه؟
يدرس تجاربهم؟
يتأمل قراراتهم؟
يفهم كيف كانت تُرسم الخريطة الإعلامية في أوقات أصعب؟

منذ سنوات ما قبل الثورة، مرورًا بعقد التحولات الكبرى بعد أحداث ثورة 25 يناير،
تغيرت طبيعة الإعلام، وتبدلت أدواته، واشتدت التحديات.

ان اكون على دراية بتاريخ الوزارة ليس عبئًا… بل دليل عمل. وليس عيبًا أن يكون المسؤول تلميذًا… بل العيب أن يتصرف كأستاذ قبل أن يتعلم.


أين الخطة الإعلامية؟

السؤال الأهم، والذي ينتظره المواطن قبل أي مقارنة أو تصريح:

ما هي ملامح الخطة الإعلامية للدولة في هذه المرحلة؟

مرحلة حساسة، ضغوط اقتصادية، توترات إقليمية، وحرب معلومات لا تتوقف.

كيف سيتم:

  • توعية المواطن بحقيقة التحديات؟
  • شرح القرارات الاقتصادية بوضوح؟
  • بناء حالة ثقة بين الدولة والناس؟
  • تحويل المواطن من متلقٍ للضغط… إلى شريك في المواجهة؟

الإعلام هنا ليس رفاهية… بل خط دفاع أول.


المواطن ليس رقمًا… بل شريكًا

المواطن المصري لا يحتاج لمن يُذكّره بالضغوط… هو يعيشها يوميًا.

لكنه يحتاج إلى:

  • خطاب يحترم وعيه
  • معلومات واضحة
  • مصارحة دون تعالٍ
  • مشاركة دون إملاء

حين يشعر المواطن أنه جزء من المعركة… يتحول تلقائيًا إلى جندي يحمي بلده. لكن حين يشعر أنه مُحاصر…
ينكمش.

القضية ليست في رغيف خبز… بل في طريقة التفكير.ليست في المقارنة…
بل في العدالة. وليست في الوزير كشخص… بل في كيفية إدارة الملف الإعلامي بالكامل.

الإعلام لا يُدار بالأرقام… بل بفهم الناس.


 أخيرا

لا تُقارن المواطن بغيره… قارن بين ما يريده… وما تقدمه له.

ولا تطلب منه أن يتحمل… قبل أن تجعله يفهم.

ففي زمن الأزمات،ىالكلمة ليست مجرد رأي…لابل مسؤولية وطن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى