يا.. حكومة … «لسنا فقراء غاز… نحن فقراء قرار» .. ولماذا ندفع ثمن تصديرٍ متعجل؟

القرار الاصوب .. لماذا نستورد الغاز من إسرائيل؟ .. الاقتصاد يفرض ما لا تحبه السياسة!!


استيراد الغاز من إسرائيل لم يكن قرارًا سياسيًا بقدر ما كان نتيجة حساب اقتصادي ضيق الخيارات. خطوط جاهزة، تكلفة أقل، وسرعة وصول، في لحظة كان فيها البديل إما انقطاع الكهرباء أو دفع أضعاف السعر من السوق العالمية. القرار لا يعكس وفرة اختيارات، بل ندرتها، ولا يدل على تحالف، بل على مأزق إدارة ملف كان يجب حسمه قبل سنوات.

البدائل موجودة نظريًا: استيراد غاز مسال من الخليج أو الولايات المتحدة، التوسع في التعاقد مع الجزائر، أو الرهان على ليبيا. عمليًا، كل بديل يصطدم بعقبات: تكلفة أعلى، عقود طويلة الأجل، أو عدم استقرار أمني. وهكذا، أصبح الخيار الأسهل هو الوحيد المتاح.

الغاز في مصر: من الاكتفاء إلى الاستيراد …

القصة الكاملة بلا تجميل

لم تكن أزمة الغاز التي تعيشها مصر اليوم حدثًا مفاجئًا أو وليد لحظة، بل نتيجة مسار طويل من قرارات حكومية متراكمة، أخطاء توقيت، وضغوط اقتصادية وسياسية تداخلت حتى أنتجت وضعًا معقدًا: حكومة أعلنت الاكتفاء الذاتي، ثم عادت بعد سنوات قليلة إلى الاستيراد، وفي القلب من ذلك اتفاقات إقليمية مثيرة للجدل، أبرزها استيراد الغاز من إسرائيل.


أولًا: لماذا تراجع الغاز المصري رغم الاكتشافات الكبرى؟

بلغ إنتاج الغاز في مصر ذروته عقب اكتشاف حقل «ظهر» العملاق بين عامي 2018 و2020، وهو ما منح الدولة هامش حركة واسعًا، وفتح الباب أمام التوسع في التصدير وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة. غير أن هذه الذروة لم تستمر طويلًا.

فالحقول الكبرى، بطبيعتها الجيولوجية، تبدأ في التراجع بعد سنوات من الإنتاج المكثف، وهو ما حدث بالفعل، دون أن تواصل الحكومة ان تقابل هذا التصرف  باكتشافات جديدة بنفس الحجم. في الوقت نفسه، تراجعت وتيرة الاستثمارات الأجنبية في الاستكشاف نتيجة عدة عوامل، من بينها تأخر سداد مستحقات بعض الشركاء، وعدم وضوح سياسات التسعير، إضافة إلى إعطاء أولوية للعائد السريع من التصدير على حساب تأمين السوق المحلي.

بالتوازي، شهد الاستهلاك المحلي قفزات كبيرة، مدفوعة بالتوسع العمراني، والنمو السكاني، والاعتماد شبه الكامل لمحطات الكهرباء على الغاز الطبيعي، فضلًا عن الصناعات الثقيلة كثيفة الاستهلاك للطاقة. النتيجة كانت فجوة متزايدة بين الإنتاج والاستهلاك، ظهرت بوضوح مع أول اختبار حقيقي للطلب المرتفع.

ثانيًا: لماذا استيراد الغاز من إسرائيل تحديدًا؟

الاستيراد من إسرائيل لم يكن خيارًا وليد الأزمة، بل نتيجة اتفاقات وُقعت منذ سنوات، حين كانت مصر في وضع إنتاجي أفضل. ومع تفاقم الفجوة، أصبح الغاز الإسرائيلي هو الحل الأسرع والأقل تكلفة من منظور اقتصادي بحت.

السبب الأساسي هو الجغرافيا والبنية التحتية الجاهزة؛ خطوط أنابيب قائمة تنقل الغاز مباشرة من حقول «تمار» و«ليفياثان» إلى الشبكة المصرية، دون الحاجة إلى عمليات تسييل أو شحن بحري أو إعادة تغويز، وهي عمليات مكلفة وتحتاج وقتًا وعملة صعبة. مقارنة باستيراد الغاز المسال من الخليج أو الولايات المتحدة، يبدو الغاز الإسرائيلي أرخص وأسرع وصولًا.

ورغم حساسية الأمر سياسيًا، فإن الدولة تعاملت معه باعتباره حلًا اضطراريًا مؤقتًا لتأمين الكهرباء والصناعة، في ظل محدودية البدائل السريعة. ومع ذلك، لا يعني هذا أن إسرائيل هي المورد الوحيد، لكنها أصبحت المورد الخارجي الأهم في التوقيت الحالي.


ثالثًا: لماذا لم تعتمد مصر على بدائل أخرى أو على نفسها؟

نظريًا، لدى مصر بدائل متعددة: استيراد الغاز المسال من أسواق عالمية، أو التوسع في التعاقد مع دول مثل الجزائر، أو التعويل على استقرار الإنتاج الليبي. عمليًا، كل هذه الخيارات تصطدم بعقبات حقيقية؛ فالسوق العالمية أكثر تكلفة، والجزائر مرتبطة بعقود طويلة الأجل مع أوروبا، وليبيا تعاني من عدم استقرار مزمن.

الأزمة في جوهرها ليست نقص موارد، بل سوء إدارة توقيت وأولويات. فقد جرى التعامل مع الغاز باعتباره موردًا للتصدير السريع وجلب العملة الصعبة، بدل اعتباره ركيزة من ركائز الأمن القومي والطاقة طويلة الأجل. كما جرى التعويل على حقل واحد ضخم دون تنويع كافٍ، وتأخر ضخ استثمارات جديدة تعوض التراجع الطبيعي في الإنتاج.

مصر ليست دولة فقيرة في الغاز، لكنها وجدت نفسها في مأزق نتيجة قرارات حكومية متراكمة أخطأت التوقيت والحسابات. الاستيراد من إسرائيل ليس تعبيرًا عن وفرة خيارات، بل عن ضيقها. والحل لا يكمن في الاستيراد الدائم، بل في إعادة ترتيب الأولويات: السوق المحلي أولًا، الاستثمار في الاستكشاف ثانيًا، والتصدير بعد ذلك — لا قبله.

تعليق رئيس التحرير

أزمة طاقة أم أزمة أولويات؟

إذا كانت الدولة تعاني نقصًا في الغاز والكهرباء، فإن السؤال الحقيقي لم يعد عن الموارد، بل عن الأولويات. في لحظة شح الطاقة، تُنفق مليارات على مشروعات عالية الكلفة وضعيفة العائد الاقتصادي المباشر، بينما يُطلب من الصناعة والمواطن تحمّل تبعات التقشف في الاستهلاك.

التوسع في مشروعات مستهلكة للكهرباء، مثل المونوريل، أو في عمران مظهري يعتمد على الكمبوندات والطرق والكباري بلا رؤية تخطيطية متكاملة، يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل تُدار التنمية بمنطق الإنتاج أم بمنطق الواجهة؟ فهذه السياسات لا تستنزف الاقتصاد فقط، بل تُلحق ضررًا بالبيئة، وتزيد الحوادث، وتُعمّق فجوة العدالة في توزيع الموارد.

القضية ليست رفض التنمية أو البنية التحتية، بل اختيار التوقيت والمسار الصحيح. حين تكون الطاقة محدودة، تصبح كل خطوة استثمارية قرارًا سياديًا يجب أن يخضع لحساب العائد العام، لا للاستهلاك ولا للمظهر. فالتنمية الحقيقية تبدأ من إدارة رشيدة للموارد، لا من استنزافها.

رئيس التحرير

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى