نتن ياهو.. لفّ وارجع، فالمحاكمة لا تعرف المجاملات!

بقلم: علي خليل

هناك من يظن أن السلطة جواز سفر دبلوماسي إلى الأبد، وأن الجلوس على كرسي رئاسة الحكومة يمنح صاحبه حصانة من الأسئلة، ويجعل القضايا القضائية مجرد إزعاج يمكن التخلص منه بتأجيل هنا، وطلب عفو هناك، وحجة أمنية في المنتصف. لكن المشكلة أن العدالة، حتى عندما تتأخر، لا تقرأ جدول أعمال رئيس الوزراء قبل أن تحدد موعد الجلسة!

وبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يقدم نموذجًا سياسيًا وقضائيًا يستحق التأمل، وربما شيئًا من السخرية أيضًا. فالرجل الذي اعتاد أن يخاطب العالم بلغة القوة، يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل مع لغة مختلفة تمامًا: لغة المحاكم والاتهامات والإجراءات القانونية.

الهروب مش نجاة.. وتأجيل الجلسة مش براءة!

منذ عام 2020، يواجه نتنياهو محاكمة في قضايا فساد تتعلق باتهامات بالرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، وهي اتهامات ينفيها. وطوال هذه السنوات، لم تنته القضية، ولم تتحول الاتهامات إلى براءة لمجرد أن صاحبها يشغل منصبًا رفيعًا.

وهنا تبدأ المفارقة الساخرة: رئيس حكومة يدير دولة ويخوض معارك سياسية وعسكرية، لكنه مطالب أيضًا بالجلوس أمام المحكمة والإجابة عن أسئلة لا يمكن إسكاتها بخطاب سياسي أو مؤتمر صحفي.

وفي أبريل 2026، عادت جلسات المحاكمة إلى مسارها بعد تعليقها خلال حرب إيران، ثم ظهرت طلبات لتأجيل استجوابه بدواعٍ أمنية. وهكذا يبدو المشهد وكأن المحكمة مطالبة بمراعاة الظروف السياسية والأمنية لرئيس الحكومة، بينما لا تملك القضايا القضائية رفاهية الانتظار إلى أجل غير معلوم.

أما طلب العفو الرئاسي، فهو فصل آخر من الحكاية. فقد طلب نتنياهو العفو من الرئيس إسحاق هرتسوغ، وسط جدل بشأن إمكان إنهاء القضية بتسوية. لكن طلب العفو لا يعني صدوره، كما أن رفض الإقرار بالذنب أو التفاوض على تسوية لا يساوي حكمًا بالبراءة.

والأطرف أن السياسة قد تمنح صاحبها وقتًا إضافيًا، لكنها لا تستطيع أن تضمن له نهاية يختارها بنفسه. فالمحكمة ليست مكتبًا تابعًا لرئاسة الحكومة، والقاضي ليس وزيرًا ينتظر تعليمات رئيسه.

المحكمة الجنائية الدولية.. هنا تصبح الرحلة أكثر تعقيدًا!

إذا كانت المحاكمة داخل إسرائيل تمثل صداعًا سياسيًا وقضائيًا لنتنياهو، فإن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية تضعه أمام تحدٍّ دولي مختلف تمامًا.

في 21 نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ويوآف جالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب على غزة. وشملت الاتهامات المعلنة التجويع باعتباره أسلوبًا من أساليب الحرب، والقتل والاضطهاد وأفعالًا لا إنسانية أخرى، فضلًا عن اتهام يتعلق بتوجيه هجمات ضد المدنيين. وهذه اتهامات قضائية خطيرة، وليست حكمًا نهائيًا بالإدانة.

لكن صدور المذكرة وحده كافٍ ليجعل حسابات السفر أكثر تعقيدًا. فالدول الأطراف في نظام روما الأساسي عليها التزامات قانونية بالتعاون مع المحكمة، وإن كانت مسائل التنفيذ والاختصاص والحصانات تثير نزاعات قانونية وسياسية. أما الدول التي لا تلتزم بالنظام، فقد تتخذ مواقف مختلفة.

بمعنى آخر، قد يقرر نتنياهو إلى أين يسافر، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن كل وجهة ستكون مريحة له قانونيًا وسياسيًا. فهناك فرق كبير بين أن تغادر بلدك باختيارك، وأن تسافر وأنت تعرف أن اسمك مرتبط بمذكرة توقيف دولية.

ولذلك، فإن السؤال ليس: هل يستطيع نتنياهو ركوب الطائرة؟ السؤال الأهم: إلى أين يستطيع السفر من دون أن تتحول الرحلة إلى أزمة قانونية ودبلوماسية؟

وهنا تصبح العبارة الساخرة أكثر دقة: ليس كل خروج هروبًا، وليس كل وصول نجاة!

حين يصبح المنصب درعًا مؤقتًا.. لا صك براءة

قد تساعد السلطة نتنياهو على تأجيل بعض الاستحقاقات، وقد تمنحه الحسابات السياسية فرصًا للمناورة، وقد يجد حلفاء مستعدين للدفاع عنه. لكن كل ذلك شيء، وإنهاء القضايا القانونية شيء آخر.

وإذا خسر الانتخابات أو غادر رئاسة الحكومة، فقد تتغير موازين القوى والضغوط السياسية المحيطة به، وقد تتصاعد المطالب بالتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر 2023. غير أن فتح تحقيق أو توجيه اتهام جديد ليس نتيجة تلقائية لخسارة الانتخابات؛ فذلك يتوقف على الإجراءات والأدلة والجهات المختصة.

والدرس هنا أكبر من شخص نتنياهو: حين يختلط بقاء الحكومة ببقاء رئيسها، وحين يصبح المنصب وسيلة لتأجيل الحساب، تتحول السياسة من خدمة للمجتمع إلى معركة مستمرة لحماية صاحب السلطة من تبعات قراراته.

أما العدالة الدولية، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها عصا في يد خصم سياسي، ولا باعتبارها مؤسسة تستطيع فرض إرادتها على العالم في كل الظروف. قوتها الحقيقية تكمن في القانون والأدلة والتعاون الدولي، وضعفها يظهر عندما تتغلب المصالح السياسية على الالتزامات القانونية.

وفي النهاية، لا يحتاج المشهد إلى كثير من الشتائم حتى يصبح ساخرًا. يكفي أن نتخيل رئيس حكومة يملك كل أدوات السلطة تقريبًا، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده متى تنتهي محاكمته، ولا أن يمحو مذكرة توقيف بقرار سياسي.

يا سيد نتنياهو، يمكنك أن تطلب التأجيل، وأن تفاوض على تسوية، وأن تبحث عن مخرج قانوني، فهذه حقوق وإجراءات تحكمها القوانين. لكن لا تخلط بين امتلاك الوقت وامتلاك الحقيقة، ولا بين تأجيل الحساب وإغلاق الملف.

لفّ وارجع يا نتنياهو.. فالمحكمة ليست بابًا دوّارًا، والاتهامات لا تختفي بمجرد أن تدير لها ظهرك. أما البراءة، فلا يمنحها التهكم ولا يقررها خصومك؛ وحده القضاء المختص يحسمها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى