أحمد عبد الله ومهرجان القاهرة السينمائي.. ستة أفلام ترصد تحولات المدن والإنسان وصولًا إلى «برلين»

من «هليوبوليس» إلى «برلين».. رحلة سينمائية تتقاطع فيها ذاكرة المكان مع أسئلة الهوية والغربة والعزلة

كتب أحمد فوزي

في سينما المخرج المصري أحمد عبد الله، لا تبدو المدن مجرد خلفيات تتحرك الشخصيات في شوارعها، بل تتحول إلى مساحات حية تختزن الذاكرة، وتكشف التحولات الاجتماعية والنفسية، وتمنح الإنسان العادي مساحة للتعبير عن أحلامه ومخاوفه وأسئلته الوجودية. ومن هذا المنطلق، تتشكل علاقة سينمائية مميزة بين عبد الله ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي، امتدت عبر خمسة أفلام سابقة، حمل كل منها عالمًا مختلفًا، وترك بصمته في مسيرة المخرج، قبل أن تتجدد الحكاية بمحطتها السادسة مع فيلمه الجديد «برلين».

على مدار سنوات، مثّلت مشاركة أفلام أحمد عبد الله في المهرجان محطات مهمة في مسيرته الفنية، إذ قدم من خلالها رؤى سينمائية تقترب من تفاصيل الحياة اليومية، وتستكشف العلاقة بين الفرد والمجتمع، وتمنح الأصوات المهمشة والشخصيات الواقعة على هامش المشهد مساحة تستحقها على الشاشة.

«هليوبوليس».. يوم واحد يكشف عوالم متعددة

بدأت الحكاية مع فيلم «هليوبوليس» عام 2009، الذي شارك في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، مقدمًا مجموعة من الحكايات الإنسانية المتقاطعة في يوم واحد، داخل مساحة جغرافية واجتماعية تحمل الكثير من التناقضات والتفاصيل.

اعتمد الفيلم على رصد شخصيات مختلفة، تتقاطع مساراتها في لحظات عابرة، لكنها تكشف عن عوالم داخلية أعمق، ليقدم صورة لمدينة تتجاوز حدود المكان إلى التعبير عن حالات إنسانية متباينة. وحصل الفيلم على تنويه خاص لأفضل فيلم عربي، في بداية علاقة سينمائية لافتة بين أحمد عبد الله والمهرجان.

«ميكروفون».. الإسكندرية تمنح الهامش صوتًا

في عام 2010، عاد المخرج إلى المهرجان بفيلم «ميكروفون»، الذي شارك في الدورة الرابعة والثلاثين، متخذًا من الإسكندرية مساحة لاستكشاف مشهد الموسيقى المستقلة وفناني الشارع والتعبيرات الفنية التي تبحث عن جمهور واعتراف.

لم يكن الفيلم مجرد رصد لحركة موسيقية بديلة، بل محاولة للاقتراب من جيل يسعى إلى التعبير عن نفسه خارج الأطر التقليدية، ويبحث عن مساحات جديدة للإبداع والتواصل. ومن خلال الكاميرا، تحولت شوارع الإسكندرية وأماكنها إلى جزء أساسي من الحكاية، بما تحمله من طاقة شبابية وأسئلة حول حرية التعبير وفرص الظهور.

وتُوّجت مشاركة الفيلم بحصوله على جائزة الهرم الذهبي لأفضل فيلم عربي، ليعزز حضور أحمد عبد الله بوصفه أحد المخرجين المهتمين بالتقاط التحولات الثقافية والاجتماعية من داخل تفاصيل الحياة اليومية.

«ديكور».. حين تصبح الحقيقة موضع شك

في الدورة السادسة والثلاثين عام 2014، قدم أحمد عبد الله فيلم «ديكور» ضمن العروض الخاصة، منتقلًا إلى مساحة أكثر التباسًا بين الواقع والخيال، من خلال حكاية بطلة تجد نفسها عالقة بين حياتها الحقيقية والعالم السينمائي الذي تصنعه.

يطرح الفيلم تساؤلات حول الهوية والاختيار وحدود الواقع، مستفيدًا من اللغة السينمائية نفسها بوصفها أداة للتشكيك في المسلّمات وإعادة تشكيل ما نراه. وهنا لا يعود المكان مجرد بيئة للأحداث، بل يتحول إلى انعكاس للحالة النفسية للشخصية، وإلى مساحة تتداخل فيها الرغبات مع المخاوف، والحقيقة مع الوهم.

 

«ليل/خارجي».. وجه آخر لوسط البلد

في الدورة الأربعين عام 2018، قدم المخرج فيلم «ليل/خارجي»، الذي اقترب من عالم وسط البلد وشخصياته المتباينة، كاشفًا عن جانب آخر من المدينة، حيث تتقاطع المصائر في شوارع لا تنام، وتظهر التناقضات الاجتماعية والإنسانية خلف الإيقاع اليومي للحياة.

من خلال رحلة شخصياته، قدم الفيلم قراءة لمدينة تتغير باستمرار، لكنها تظل محتفظة بمساحات من الوحدة والارتباك والبحث عن الذات. وقد منح المهرجان شريف دسوقي جائزة أفضل ممثل عن أدائه في الفيلم، في محطة مهمة ضمن مسيرة العمل.

ومثل «ليل/خارجي» امتدادًا لاهتمام أحمد عبد الله بالشخصيات التي لا تتصدر المشهد عادة، وبالحكايات التي تستمد قوتها من التفاصيل الصغيرة والتفاعلات العابرة التي قد تكشف الكثير عن المجتمع.

«19 ب».. العزلة والذاكرة خلف أبواب فيلا قديمة

بعد أربع سنوات، عاد أحمد عبد الله إلى مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بفيلم «19 ب»، المشارك في الدورة الرابعة والأربعين عام 2022، ليقدم عالمًا مختلفًا تدور أحداثه داخل فيلا قديمة في حي الزمالك.

في هذا العمل، تصبح المساحة المغلقة محورًا للحكاية، وتتحول الفيلا إلى عالم تختلط فيه العزلة بالذاكرة، ويواجه فيه الإنسان مخاوفه وأسئلته بشأن التغيير والارتباط بالمكان. ومن خلال العلاقة بين الشخصية الرئيسية ومحيطها، يفتح الفيلم بابًا للتأمل في معنى الأمان، وحدود الحرية، والصراع بين الرغبة في الاحتفاظ بالماضي وضرورة مواجهة الحاضر.

وحقق الفيلم حضورًا لافتًا في الدورة الرابعة والأربعين، بحصوله على ثلاث جوائز، هي جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين «فيبريسي»، وجائزة أفضل فيلم عربي، وجائزة هنري بركات لأفضل إسهام فني.

«برلين».. محطة سادسة في رحلة البحث عن الوطن

في الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، تتجدد الحكاية مع فيلم «برلين»، الذي يعود به أحمد عبد الله إلى المهرجان من خلال عرض عالمي أول، ليضيف فصلًا جديدًا إلى مسيرته السينمائية.

هذه المرة، ينتقل المخرج إلى مدينة أوروبية تحمل اسمًا وتاريخًا ودلالات متعددة، لتصبح خلفية لحكاية مهاجرين عرب يبحثون عن وطن، وسط أسئلة الهوية والانتماء والغربة وإمكانية بناء حياة جديدة بعيدًا عن الأماكن التي نشأوا فيها.

ويفتح موضوع الفيلم مساحة للتأمل في تجربة الهجرة بوصفها أكثر من مجرد انتقال جغرافي؛ فهي رحلة إنسانية تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والرغبة في البداية الجديدة مع صعوبة الانفصال عن الماضي. فالوطن، في مثل هذه الحكايات، لا يرتبط بالحدود وحدها، بل باللغة والوجوه والذكريات والشعور بالانتماء.

ومع «برلين»، يواصل أحمد عبد الله اهتمامه بالإنسان بوصفه مركز الحكاية السينمائية، حتى عندما تتغير المدن والبيئات وتتباين الظروف. فالشخصيات تظل محكومة بأسئلة متشابهة: أين نجد أنفسنا؟ وكيف نتعامل مع الوحدة؟ وهل يمكن للإنسان أن يصنع وطنًا جديدًا دون أن يفقد صلته بوطنه الأول؟

المهرجان والسينما.. علاقة تتجدد عبر الأجيال

تكشف رحلة أحمد عبد الله مع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن تنوع واضح في العوالم التي اختار استكشافها؛ من حكايات البشر في «هليوبوليس»، إلى الموسيقى المستقلة في «ميكروفون»، والتداخل بين الواقع والخيال في «ديكور»، وتحولات المدينة في «ليل/خارجي»، ثم العزلة والذاكرة في «19 ب»، وصولًا إلى الهجرة والبحث عن الوطن في «برلين».

وعلى الرغم من اختلاف الموضوعات والأماكن، يظل الخيط المشترك بينها هو الاهتمام بالتفاصيل الإنسانية، والاقتراب من شخصيات تحاول فهم العالم من حولها والعثور على مكانها داخله.

ومع الفصل السادس من هذه العلاقة السينمائية، لا تبدو عودة أحمد عبد الله إلى المهرجان مجرد مشاركة جديدة في برنامج عروضه، بل امتدادًا لمسيرة تتغير فيها الأسئلة وتتجدد الرؤى، بينما يظل الإنسان حاضرًا في قلب التجربة.

ستة أفلام، ومدن متعددة، وعوالم تتباين في ملامحها وتتقاطع في أسئلتها؛ رحلة تؤكد أن السينما قادرة على تحويل المكان إلى ذاكرة، والحكاية الفردية إلى مرآة لتجارب إنسانية أوسع.

«برلين».. فصل جديد في حكاية أحمد عبد الله مع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، حيث تتواصل الرحلة من المدينة إلى الإنسان، ومن الشاشة إلى أسئلة الوطن .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى