د. – سمر الكومى تكتب : مصر لا تُحمى بالشعارات.. بل بالوعي وقوة الدولة ووعي المواطن

هناك لحظات لا تكتفي فيها بأن تسمع، بل تدفعك إلى أن تفكر، وأن تعيد قراءة ما يحدث حولك، وأن تدرك أن أمن الوطن ليس مسؤولية المؤسسات وحدها، بل قضية تمس كل مواطن، وكل أسرة، وكل طفل ينتظر مستقبلًا أكثر أمانًا.
ومن خلال حضوري منتدى مصر 2026، ومتابعتي جلسة «أمن الوطن والمواطن» بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، وجدت نفسي أمام سؤال مصيري: هل ندرك حجم التحديات التي تواجه مصر؟ وهل نرى الصورة كاملة، أم يكتفى البعض بمشاهد مجزئه تصنعها مواقع التواصل الاجتماعي؟
لقد خرجت بقناعة أساسية: حب الوطن ليس أن نراه بلا مشكلات، بل أن نمتلك الوعي لفهمها، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، والإرادة للمشاركة في الحل.
الأمن الداخلي.. حين تصبح حماية المواطن رسالة دولة
بدأت الجلسة بعرض فيلم «رسالتك مسموعة.. رحلة استجابة»، الذي تناول جهود مؤسسات الدولة، وخاصة وزارة الداخلية، في استعادة الأمن وتطوير الخدمات الأمنية وسرعة الاستجابة لبلاغات المواطنين.
واستعرض اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، نتائج تطوير المنظومة الأمنية، مشيرًا إلى انخفاض سرقات السيارات بنسبة وصلت إلى 94%، وفقًا لما أعلنه خلال المنتدى. كما عرض خمسة محاور للتطوير شملت تحديث المنشآت الشرطية، واستخدام الذكاء الاصطناعي والرصد المبكر للجريمة، وتطوير الكوادر البشرية، وتنمية وعي المواطنين، وتحديث السياسة العقابية.
إن دلالة هذا التطوير تتجاوز الأرقام؛ فالأمن الحقيقي هو أن يتحرك المواطن مطمئنًا، وأن تجد شكواه استجابة، وأن تتمكن الدولة من مواجهة الجريمة التقليدية والإلكترونية، وحماية المجتمع من الإرهاب والاستغلال والابتزاز.
لكن قوة المؤسسات لا تكتمل إلا بثقة المواطنين، وهذه الثقة تُبنى بالأداء الفعلي، واحترام القانون، والشفافية، والتواصل المستمر مع الناس.
والتأكيد على هذا ارتفاع نسب المشاهده عبر الصفحه الرسميه لوزاره الداخليه فأصبح ثقه المواطن فى سرعة تفاعل الداخليه مع الحوادث والبلاغات والاستغاثات عبر الصفحه توافقا مع تأثير السوشيال ميديا فيما هو مفيد للمواطنين فأصبح المواطن شريك فى التفاعل ومساعده الوزاره فى تقديم البلاغات والاستغاثة و ثقته فيها كبيره
السياسة الخارجية.. حماية المصالح المصرية في عالم مضطرب
وفي محور السياسة الخارجية، استعرض الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، العلاقة الوثيقة بين استقرار الداخل وقوة التحرك الخارجي، مؤكدًا أهمية التوازن الاستراتيجي وإدارة الشراكات الدولية بحكمة.
وأشار إلى أن الرئيس السيسي قام بـ 38 زيارة للدول الأفريقية، وفقًا لما أعلنه خلال الجلسة، في إطار تعزيز العلاقات المصرية الأفريقية والتعاون مع دول القارة. كما تناول أمن البحر الأحمر، واستقرار السودان، والقضية الفلسطينية، ورفض تهجير الفلسطينيين، واستمرار الجهود المصرية لإدخال المساعدات الإنسانية.
ووفقًا لما ورد في الجلسة، تجاوزت المساعدات التي دخلت إلى غزة عبر معبر رفح مليون طن. ويعكس ذلك حجم الدور الإنساني الذي أعلنت مصر القيام به في مواجهة الأزمة الفلسطينية.
إن السياسة الخارجية ليست ملفًا بعيدًا عن المواطن؛ فأمن الحدود، واستقرار الدول المجاورة، وحركة التجارة، والأمن المائي، كلها قضايا تمس الاقتصاد والغذاء والطاقة ومستقبل الأجيال.
والقيادة الرشيدة لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بالقدرة على قراءة موازين القوى، وحماية المصالح الوطنية، والتفاوض بحكمة، والتمسك بالحقوق، وتجنب التصعيد غير المحسوب.
إدارة الأزمات.. الاستعداد قبل أن يتحول الخطر إلى كارثة
واستعرض الفريق محمد عبد الرحمن ربيع، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ورئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، آليات عمل الهيئة ومركز تنسيق الدفاع عن الدولة، موضحًا طبيعة الهيئة واختصاصاتها في دعم الأمن القومي وحماية المواطنين والممتلكات.
وأكد الرئيس أن الهيئة تمثل ذراعًا داعمة للدولة والحكومة في إدارة الأزمات والطوارئ، مستفيدة من قواعد البيانات والإمكانات المتاحة لتحسين كفاءة الاستجابة
وهنا تكمن أهمية التحول من انتظار وقوع الأزمة إلى توقع المخاطر، وإعداد السيناريوهات، وتنسيق الأدوار، والاستعداد لاتخاذ القرار في الوقت المناسب.
فالدولة التي تستعد للمخاطر تحمي الأرواح والموارد، والمواطن الواعي الذي يتحقق من المعلومات ويلتزم بالتعليمات الرسمية يصبح شريكًا في حماية المجتمع.
سد النهضة.. المياه قضية وجود ومستقبل
تظل قضية سد النهضة الإثيوبي من أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه مصر، لاعتمادها الأساسي على نهر النيل في مواردها المائية.
وقد أكد الدكتور بدر عبد العاطي خلال الجلسة أن الأمن المائي قضية وجودية، وأن حياة المصريين لا يجوز أن تكون رهينة لإرادة أحادية. ويتمثل الموقف المصري في التمسك بحقوق مصر والسودان، وضرورة التوصل إلى ترتيبات عادلة وملزمة بشأن ملء السد وتشغيله، وفق قواعد القانون الدولي.
وفي مواجهة التحديات المائية، تعمل الدولة على تطوير منظومة الري، وإعادة استخدام المياه، وإنشاء محطات المعالجة، والتوسع في تحلية مياه البحر، إلى جانب مشروعات التنمية الزراعية.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع توشكى، الذي يستهدف دعم الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وخلق فرص عمل، وكذلك خطط تحلية المياه التي تستهدف الوصول إلى طاقات إنتاجية تقارب 9 ملايين متر مكعب يوميًا بحلول عام 2050، وفق الاستراتيجية القومية المعلنة. ”
لكن يجب أن نكون دقيقين: هذه الطاقة المستهدفة خطة مستقبلية وليست إنتاجًا تحقق بالكامل، كما أن التحلية وإعادة الاستخدام لا تغنيان عن حماية حقوق مصر في النيل.
إن الأمن المائي لا تصنعه محطة واحدة أو مشروع واحد، بل رؤية متكاملة تحمي الحقوق، وترشد الاستهلاك، وترفع كفاءة الزراعة، وتدعم الإنتاج، وتحافظ على حق الأجيال القادمة في الحياة.
الشائعات.. خطر يبدأ بكلمة وقد ينتهي ببلبلة مجتمع
في أوقات الأزمات، قد تنتشر الشائعة أسرع من الحقيقة، ويُعاد تداول مقطع قديم باعتباره حدثًا جديدًا، أو تُقتطع تصريحات من سياقها لتضليل الناس وإثارة الخوف.
رسالتي إلى كل مواطن: لا تجعل هاتفك مصدر خوفك، ولا تسمح لمنشور مجهول أن يحدد موقفك من وطنك.
تحقق من المصدر، وقارن المعلومات، وانتظر البيانات الموثوقة قبل إعادة النشر. لكن الوعي لا يعني رفض كل خبر سلبي أو إسكات الأسئلة المشروعة؛ بل يعني التمييز بين النقد المبني على الأدلة والتضليل المتعمد.
فمن حق المواطن أن يسأل، ومن واجب المؤسسات أن توضح وتتيح المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب. الثقة لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بالمصداقية والشفافية والاستجابة.
انظروا إلى ما يحدث حولنا.. فالاستقرار مسؤولية
ما شهدته دول عربية مجاورة من صراعات ونزوح وتراجع في قدرة المؤسسات على أداء وظائفها يذكرنا بقيمة الأمن والاستقرار، وبالثمن الباهظ الذي يدفعه المواطن عندما تنهار مقومات الدولة.
لكن الدرس ليس أن نقبل كل شيء خوفًا من الفوضى، بل أن نحمي مؤسساتنا، وندعم الإصلاح المسؤول، ونتمسك بسيادة القانون، ونحافظ على حقوق المواطنين، ونرفض العنف والتحريض والكراهية.
فالوطن الآمن ليس وطنًا يخلو من الأسئلة، بل وطن يمتلك مؤسسات قادرة على التعامل معها، ومجتمعًا يستطيع الاختلاف دون أن يهدم نفسه.
الدراما والقيم.. معركة الوعي تبدأ من الأسرة
لا يمكن الحديث عن أمن الوطن دون الالتفات إلى تأثير الدراما والإعلام ومواقع التواصل في تشكيل وعي الشباب والأطفال.
فعندما يُقدَّم العنف باعتباره بطولة، أو الإدمان بوصفه متعة، أو الخداع طريقًا للنجاح، فإننا أمام محتوى يستحق النقد والمراجعة. وفي المقابل، تستطيع الدراما أن تعزز المسؤولية والرحمة والشجاعة والنجاح بالعمل، وأن تكشف الاستغلال والعنف وتفتح باب الحوار حول المشكلات المسكوت عنها.
ولا تتحمل الدراما وحدها مسؤولية السلوكيات السلبية؛ فالتربية والبيئة الاجتماعية والأصدقاء والظروف الاقتصادية عوامل متداخلة. لكن تجاهل أثر المحتوى الإعلامي في الوعي والسلوك خطأ أيضًا.
نحتاج إلى إعلام مسؤول، وأسرة تحاور أبناءها، وتعليم ينمي التفكير النقدي، ومجتمع يستعيد قيم الاحترام والتسامح والإيثار والتعاون وحسن المعاملة.
والعودة إلى الأصول لا تعني التمسك بكل عادة قديمة، ولا تبرير العنف باسم التقاليد؛ بل تعني استعادة القيم الإنسانية والأخلاقية التي تحث عليها تعاليمنا الإسلامية، مع احترام الحقوق ومواكبة العلم والتطور.
فالأسرة الآمنة ليست التي تخلو من الخلاف، بل التي تعرف كيف تختلف دون إهانة، وكيف تعالج المشكلات دون عنف، وكيف تربي أبناءها على المسؤولية والانتماء.
مصر مسؤولية مشتركة.. ورسالة إلى المستقبل
إن الحفاظ على أمن الوطن يتطلب اقتصادًا منتجًا، ومياهًا مصونة، ومؤسسات قوية، وخدمات أفضل، وإعلامًا مسؤولًا، وأسرة واعية، وشبابًا يمتلكون المعرفة والفرصة والأمل.
ومن حقنا أن نفخر بكل إنجاز حقيقي، وأن نساند مؤسساتنا الوطنية في أداء واجبها، وأن نقدر كل من يعمل بإخلاص من أجل مصر. ومن حقنا أيضًا أن نطالب بمزيد من الإنجاز، وأن نسأل عن النتائج، وأن نتمسك بأن تكون كرامة المواطن وحقوقه في صميم التنمية.
دعم الدولة ليس تصفيقًا دائمًا، والنقد المسؤول ليس هدمًا؛ بل المواطنة الواعية هي أن نحمي وطننا، ونساند مؤسساته، ونطالب بتحسين أدائها، ونشارك في بنائه.
إلى كل أم وأب: ازرعوا حب مصر في أبنائكم، وعلموهم احترام القانون والتحقق من المعلومات وإتقان العمل.
وإلى كل شاب: لا تسمح للشائعات أو اليأس أو الكراهية أن تسرق مستقبلك؛ تعلم، واعمل، وشارك، وكن جزءًا من الحل.
وإلى كل مواطن: تذكر أن حماية الوطن تبدأ من أمانتك، ووعيك، واحترامك للآخرين، ورفضك أن تكون أداة في يد من يستغل خوفك أو غضبك.
مصر ليست مجرد وطن ورثناه، بل أمانة سنتركها لأبنائنا.
حفظ الله مصر وشعبها، ووفق كل من يعمل بإخلاص من أجل أمنها واستقرارها وتقدمها.
تحيا مصر بوعي شعبها، وقوة مؤسساتها، وإخلاص أبنائها، وبقدرتها على أن تجمع بين أمن الوطن وكرامة المواطن.