مروة أحمد عبد العليم تكتب: المعادلة المصرية في حلف مكة.. من إعلان التضامن إلى اختبار المواجهة

تشهد منطقة الشرق الأوسط إعادة تشكيل متسارعة لخريطة الأمن الإقليمي، في ظل تصاعد التهديدات وتآكل فاعلية التحالفات التقليدية. وفي هذا السياق، برزت محاولات لصياغة معادلة أمنية جديدة، تقوم على المزج بين الثقل المالي الخليجي، والقدرات العسكرية والصناعية التركية، والقوة البشرية والنووية الباكستانية، كبديل محتمل لنظام الأمن الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عقود.

وفي قلب هذه المحاولات يأتي اتفاق مكة، الموقع في 7 أغسطس 2026 بين السعودية وباكستان وتركيا، والذي وُصف في بعض الأوساط بـ “ناتو الشرق الأوسط”. غير أن هذا الطموح سرعان ما اصطدم باختبار ميداني حقيقي.

الاختبار الحوثي لحلف وليد

فقد شنت جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيون) سلسلة هجمات نوعية على أهداف استراتيجية داخل المملكة، طالت مطارات ومصافي نفط ومقر شركة أرامكو، وأسفرت عن سقوط مصابين وإلغاء فعاليات كبرى.

هذه التطورات وضعت التحالف الوليد أمام سؤال وجودي: هل هو قادر على تحويل تعهداته المعلنة – بأن الهجوم على عضو هو هجوم على الجميع – إلى فعل عسكري على الأرض؟

القاهرة تدخل على خط الأزمة

في خضم التصعيد، جاء الموقف المصري ليعيد خلط الأوراق. ففي 17 أكتوبر، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للتدخل دفاعاً عن السعودية إذا طُلب منها ذلك، داعياً البرلمان لعقد جلسة طارئة لتفويض القاهرة، مؤكداً أنه “من غير المقبول بتاتاً أن تسمح مصر بأن تصبح المملكة هدفاً للهجمات أو أن يُقوَّض أمنها واستقرارها”.

وجاء هذا الإعلان متزامناً مع تأكيد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن القاهرة تدرس بجدية الانضمام إلى حلف مكة. وهو ما يطرح معادلة دقيقة: هل ستكون مصر هي من يمنح الحلف بعده العملي، أم أنها ستواجه ذات القيود التي تكبل الأعضاء الحاليين؟

قراءة روسية: فجوة بين الخطاب والفعل

في هذا السياق، نشرت صحيفة “فزجلياد” الروسية تحليلاً للكاتب جيفورج ميرزايان حول مدى جدية التزامات حلفاء الرياض. وأشار ميرزايان إلى أن الرياض طلبت الحماية، وأن أنقرة وإسلام آباد أعلنتا التزامهما، مع افتراض انضمام القاهرة، لكنه طرح السؤال الجوهري: هل أي من هذه العواصم مستعد فعلياً لخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط؟

ويوضح الكاتب أن اتفاق مكة هو امتداد للتحالف السعودي-الباكستاني القديم مع توسيعه ليشمل تركيا، وكان يُفترض أن يجمع بين المال والأيديولوجيا السعودية، والصناعة العسكرية التركية، والقدرة النووية الباكستانية، كأداة إسلامية لإدارة ملفات السياسة الخارجية.

لكن الواقع كشف، بحسب ميرزايان، عن رد فعل لا يتجاوز بيانات الاستياء وتقديم التعازي ودعم دفاعي محدود لا يصل لمرحلة مواجهة مصدر التهديد.

وينقل الكاتب عن الخبير كيريل سيمينوف أن نحو 8000 جندي باكستاني يتمركزون بالفعل في السعودية لحماية منشآت بمساعدة منظومات صينية، لكن تفويضهم يقتصر على العمل داخل المملكة ولا يسمح بتنفيذ عمليات خارجها، أي داخل اليمن. أما تركيا، فأكد وزير خارجيتها هاكان فيدان أن الاتفاق “ليس هجومياً” وأن دورها سيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية، علماً أن البرلمان التركي لم يصادق بعد على نشر قوات.

لماذا هذا الحذر؟ ثلاثة حسابات معقدة

يفسر ميرزايان هذا الحذر بثلاثة أسباب بنيوية:

أولاً: قوة الحوثيين القتالية. رغم توصيفهم كميليشيا، فهم – بحسب التحليل – من أكثر القوى استعداداً للقتال في المنطقة بعد تطويرهم قدرات الطائرات المسيرة، مما يجعل أي مواجهة معهم مغامرة عالية المخاطر، سواء لتركيا المنشغلة بسوريا أو باكستان المنشغلة بأفغانستان والهند.

ثانياً: خطر اتساع الحرب إلى مواجهة مع إيران. الحوثيون شريك استراتيجي لطهران وورقة ضغط عبر تهديد الملاحة في باب المندب، شريان التجارة العالمية المار بقناة السويس. وينقل الكاتب عن فلاديمير أفاكوف من الأكاديمية الروسية للعلوم قوله: “ليس لدى تركيا أي خطط للدخول في مواجهة مع طهران، بل تبذل قصارى جهدها لتجنبها”، وهو ما ينطبق أيضاً على إسلام آباد.

ثالثاً: الكلفة الشعبية والسياسية. يقدم الحوثيون أنفسهم حالياً كأبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية بعد إغلاق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية. ومن ثم، فإن أي حرب ضدهم قد تضع باكستان وتركيا في مواجهة مع قطاعات واسعة من الرأي العام الإسلامي المؤيد لفلسطين.

مصر بين المصلحة والقيد

أما الموقف المصري فيبدو أكثر تعقيداً وتداخلاً. فمن جهة، ترتبط القاهرة بالرياض مالياً، كما أن هجمات الحوثيين تضر مباشرة بقناة السويس عبر عرقلة الملاحة في البحر الأحمر.

ومن جهة أخرى، يشير التحليل إلى وجود قيود قانونية وسياسية، حيث يربط ميرزايان مشاركة مصر بالمادة السادسة / البند الرابع من معاهدة السلام مع إسرائيل، التي يرى – وفق تفسيره الواسع – أنها تلزم القاهرة بعدم الدخول في تحالفات مع دول معادية لتل أبيب، ويضع السعودية وباكستان وتركيا ضمن هذه الفئة، وهو تفسير يظل محل جدل قانوني.

كما أن امتلاك الجيش المصري لقدرات كبيرة – كونه من أقوى جيوش المنطقة – لا يعني بالضرورة أن التدخل هو الخيار الأمثل في ظل تعقيدات المشهد.

خلاصة: تحالف دفاعي محدود لا “ناتو”

يخلص ميرزايان إلى أن ما حدث حتى الآن لا يعكس قيام حلف عسكري فاعل قادر على الردع، بقدر ما يكشف عن تحالف دفاعي محدود الالتزامات، تتسع فيه الفجوة بين الخطاب السياسي وقابلية التنفيذ.

فبينما توجد قوات باكستانية في السعودية، وتؤكد تركيا دعمها، وتعلن مصر استعدادها للتدخل، لا يوجد استعداد واضح لدى أي طرف لخوض مواجهة مباشرة داخل اليمن.

لذلك، فإن وصف “ناتو الشرق الأوسط” يظل – حتى الآن – تعبيراً عن طموح إقليمي لم يتحول إلى تحالف متكامل. فالناتو الحقيقي لا يقوم على إعلان التضامن، بل على آليات ردع والتزامات ملزمة وقدرة على التحرك المشترك. وهذا بالضبط هو الاختبار الذي لم ينجح حلف مكة في اجتيازه بعد.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تتحول المعادلة المصرية إلى رافعة تمنح الحلف فاعلية حقيقية، أم أنها ستضيف تعقيداً جديداً لمعادلة أمنية لم تحسم بعد طبيعة التزاماتها وحدود تدخلها؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى