أيُّ عارٍ أكبر من أن تُنتهك حرمة الأسيرات ويُنزع حجابهن قهرًا، ثم تصمت أمة تتجاوز الملياري مسلم؟!

طقوس الإذلال ممنهجة. في قانون الاحتلال الداخلي

بقلم : على خليل

 –الحجاب لس قماشًا.. إنه العهد الأخير بين الأسيرة وربها

— الأسيرة والستر الأخير: لماذا يستهدفون الحجاب تحديدًا؟
— مليارا مسلم يشاهدون:

أسيرات يُجبرن على خلع الحجاب ... وضفائر متهمة.. وحجاب منزوع

أيُّ عارٍ أكبر من أن تُنتهك حرمة الأسيرات ويُنزع حجابهن قهرًا، ثم تصمت أمة تتجاوز الملياري مسلم؟!

 

حين تُمدّ يدٌ غريبة لتنزع غطاء رأس امرأة مقيدة، فالمسألة لم تعد تفتيشًا ولا إجراءً أمنيًا. إنها إعلان حرب على الكرامة ذاتها. على الستر. على ما تبقى للإنسان من حدود لا يجوز الاقتراب منها حتى في الحرب.

وما يحدث للأسيرات اليوم ليس حادثة، بل مرآة تكشف إلى أي درك وصلنا حين صار جسد الأسيرة ساحة انتقام.

الأسيرة الفلسطينية.. حين يصبح الحجاب تهمة

في سجون الاحتلال، تتضاعف معاناة المرأة. هي فلسطينية تحت احتلال، وامرأة بين سجانين رجال، ومحجبة يُراد كسرها من موضع سترها.

ما كشفه مكتب إعلام الأسرى ونادي الأسير ليس تفصيلاً عابراً. شهادات متطابقة عن إجبار الأسيرات على نزع حجابهن وفحص شعورهن، وعزل 17 أسيرة في الغرفة رقم 13 وإجبارهن على فك ضفائرهن. في رواية أخرى، دخل ضابط برفقة سجانات وبدأ برفع حجاب الأسيرات لتفقد شعورهن، قبل أن يأمر بعزلهن ثلاث ساعات، وإرغامهن على الانبطاح أرضًا ساعة كاملة والضرب المبرح، ثم إعادتهن إلى غرف تعج بالغاز المسيل للدموع.

وحذرت شبكات حقوقية من أن هذه الممارسات تشمل الاقتحامات العنيفة ورش الغاز والعزل الانفرادي. هذه ليست إجراءات، بل طقوس إذلال ممنهجة. في قانون الاحتلال الداخلي، الجديلة تهمة، والضفيرة ذريعة للعزل، ومن لم تفك جديلتها طوعًا يُنزع عنها الحجاب بقوة.

نزع الحجاب ليس قماشًا.. إنه نزع للإنسانية

لماذا الحجاب تحديدًا؟ لأن من يريد كسر أسيرة لا يضرب جسدها فقط، بل يضرب عقيدتها. الحجاب عند المسلمة ليس قطعة قماش، هو عهد بينها وبين ربها، هو آخر ما تملكه حين سُلب منها كل شيء. حين تنزعه يد قهر، فأنت تقول لها: حتى الله الذي تؤمنين به، لا نسمح لك بالاحتماء به.

وما يرتكب اليوم هو جريمة مركبة: انتهاك لاتفاقيات جنيف التي تحظر المساس بكرامة المعتقلين، وانتهاك لحرمة المرأة، وانتهاك لحرية المعتقد.

الفلسطينية ليست وحدها.. القهر واحد

وإذا كانت الفلسطينية هي الأكثر حضورًا لأنها ابنة القضية المركزية، فالمشهد يتكرر حول العالم بنفس المنطق.

في سجون النظام السوري السابق، وثقت شهادات لمعتقلات أُجبرن على التعري ونزع الحجاب أثناء التحقيق لكسر الإرادة. في معسكرات شينجيانغ، تُجبر نساء الأويغور على نزع الحجاب وارتداء لباس موحد ضمن مشروع محو الهوية. في الهند، تُساوَم طالبات كشميريات على الحجاب مقابل الإفراج. وحتى في أوروبا التي ترفع شعار الحرية، تُمنع المحجبة من الجامعة والعمل بذريعة الاندماج.

القهر واحد وإن اختلفت البدلة: بدلة عسكرية في الدامون، وبدلة رسمية في قاعة محكمة. الجامع أن جسد المرأة المسلمة المحجبة صار ساحة صراع سياسي يراد منه القول: لن نسمح لهذا الرمز أن يبقى واقفًا.

العار ليس في السجن، العار في القصر؟؟!!

لنكن صرحاء بلا تجميل. المليارا مسلم ليسوا عاجزين، بل متواطئون بصمتهم.

أين جامعة الدول العربية من مشهد 17 أسيرة يُنزع حجابهن في غرفة واحدة؟ بيان شجب لا يقرأه حتى كاتبه. أين منظمة التعاون الإسلامي بميزانياتها المليارية؟ اجتماع طارئ ثم لا شيء.

الأنظمة العربية مشغولة. بعضها بموسم الرياض ومهرجانات الترفيه، وبعضها بتأمين مقعد في قطار التطبيع، وبعضها يحسب خسارته من المساعدات الأمريكية لو نطق. شعوب تُقمع إذا رفعت علم فلسطين في ملعب، وإعلام رسمي يحول الأسيرة إلى رقم في شريط أخبار.

نحن أمة تجيد البكاء في المساجد والدعاء على الاحتلال في خطبة الجمعة، ثم نكمل حياتنا كأن شيئًا لم يكن. لقد أصبحنا نستر جسد نسائنا في الشارع ونترك سترهن يُنتهك في السجن. أي نفاق أكبر من هذا؟

حين نطق الأوروبي وسكت العربي!!

والمفارقة المرة أن من كسر الصمت لم يكن عربيًا ولا مسلمًا.

في الوقت الذي صمتت فيه عواصم عربية، خرجت مدريد ودبلن وأوسلو لتقول لا. أصدرت إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا والنرويج بيانًا مشتركًا دعت فيه إلى قبول فلسطين كعضو كامل في الأمم المتحدة. وأعلنت إيرلندا وإسبانيا والنرويج في مايو 2024 اعترافها الرسمي بدولة فلسطينية مستقلة، وقال رئيس الوزراء النرويجي حينها: “لا يمكن أن يكون هناك سلام إذا لم يكن هناك اعتراف”.

إسبانيا دعت لتعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل، وإسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا وأيسلندا ولوكسمبورغ أكدت معارضتها أي تغيير سكاني في غزة واعتبرت بقاء الاحتلال طويلاً تجاوزًا لخط أحمر. بلجيكا أعلنت أنها ستعترف بفلسطين وتفرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية.

دول لا تجمعها بنا لغة ولا دين، لكن جمعها بنا ضمير حي. برلمانيون إسبان وإيرلنديون يصرخون من أجل أسيرة نُزع حجابها، بينما برلمانات عربية تمنع حتى ذكر اسمها. لقد أثبتم أن نصرة المظلوم لا تحتاج أن تكون مسلمًا، بل تحتاج فقط أن تكون إنسانًا.

ماذا نفعل؟

المطلوب ليس بكاءً على وسائل التواصل.

1-، توثيق قانوني: كل حالة نزع حجاب قسري هي جريمة حرب موثقة، يجب جمعها بالاسم والتاريخ ورفعها إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة وإلى الصليب الأحمر.

2- إعلام مضاد: رواية الاحتلال “تفقد الشعر” يجب تفكيكها. لا يوجد قانون تفتيش في العالم يسمح لرجل بنزع حجاب امرأة.

3- ربط النضالات: قضية الفلسطينية يجب أن تُربط بالأويغورية والسورية والكشميرية. ليست قضايا متفرقة، بل منظومة واحدة تستهدف الحجاب كرمز للصمود.

الحجاب الذي يُنزع قهرًا في الزنزانة، هو نفسه الذي ترتديه ابنتك وهي ذاهبة إلى المدرسة. المعركة واحدة. فإذا لم نغضب للأسيرة وهي مقيدة لا تملك إلا أن تشد غطاءها بيدين ترتجفان، فلمن نغضب؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى