«ومن قال إنني ما زلت أريده؟»

قصة كتبها : على رشيد ادريس

لم يكن يعرف الحب.

كان يعرف الزواج، ويعرف البيت، ويعرف المسؤولية، ويعرف الأولاد، ويعرف كيف يمضي الرجل عمره بين العمل والالتزامات والفواتير ومشاكل الأسرة، لكنه لم يكن يعرف ذلك الشيء الغامض الذي يجعل الإنسان ينتظر رسالة من شخص آخر، فيبتسم قبل أن يفتحها، ويشعر أن يومه كله تغير لمجرد أن اسمًا معينًا ظهر على شاشة هاتفه.

كان عمره اثنين وستين عامًا، مغربيًا من طنجة، وقد عاش من حياته ما يكفي لأن يظن أن الحب حكاية جميلة اخترعها الشعراء ليبيعوا للناس الوهم.

وكان يضحك أحيانًا من حكايات العاشقين.

قال لها ذات ليلة:

ـ كنت أسمع عن رجل مات لأن حبيبته تزوجت غيره، فأقول في نفسي: ما هذا الجنون؟ هل يمكن أن يموت إنسان لأن امرأة لم تتزوجه؟

ضحكت وقالت:

ـ وأنت الآن؟

ـ الآن؟

ـ لو تركتك امرأة تحبها، هل ستموت؟

سكت طويلًا.

ثم كتب:

ـ لا أعرف… لكنني عرفت شيئًا واحدًا.

ـ ماذا؟

ـ أنني كنت أضحك على الناس لأنني لم أكن قد وقعت في الحب.

سألته:

ـ ومتى وقعت؟

كتب:

ـ يوم بدأت أخاف من غيابك.

كانت هي في السادسة والاربعين، مغربية من فاس، تحمل هي الأخرى عمرًا لا يشبه عمرها. زواج أنهكها، ومشكلات لا تنتهي، ومسؤوليات أكبر من سنواتها، وبيت لم تعرف فيه كثيرًا من الأشياء التي كانت تتخيلها وهي صغيرة.

كان هو أيضًا قد خرج من زواج طويل، يحمل في داخله ما يكفي من الصمت والخذلان.

وفي البداية لم يكن بينهما أكثر من حديث.

سؤال عن الحال.

ثم سؤال آخر.

ثم حكاية.

ثم غنوة جيلة 

ثم شكوى.

ثم ضحكة.

ثم رسالة في الصباح.

ورسالة في المساء.

حتى أصبح الهاتف نافذة يطل منها كل واحد منهما على حياة الآخر.

قالت له ذات يوم:

ـ لماذا تحكي لي كل شيء؟

ـ لأنك تسمعين.

ـ وهناك كثيرون يسمعون.

ـ لا… أنت لا تسمعين فقط، أنت تفهمين.

قالت:

ـ وأنت أيضًا.

ـ ماذا؟

ـ تفهمني.

كانت تلك الكلمة بداية شيء لم يعرف أي منهما كيف يسميه.


مرت الشهور.

وصارت الحكايات أكثر خصوصية.

قالت له:

ـ هل تعرف أكثر شيء يؤلمني؟

ـ ماذا؟

ـ أنني عشت سنوات وأنا أشرح للناس أنني بخير، بينما لم يسألني أحد إن كنت بخير فعلًا.

قال:

ـ وأنا كنت أعيش بالطريقة نفسها.

ـ لكنك رجل.

ـ وما الفرق؟

ـ الرجل يستطيع أن يخفي وجعه.

ضحك:

ـ والمرأة؟

ـ المرأة أيضًا تخفيه، لكنها تذهب بعد ذلك إلى غرفتها وتبكي وحدها.

سكت.

ثم كتب:

ـ لو كنت بجانبك الآن، ماذا كنت سأفعل؟

ـ لا أعرف.

ـ كنت سأجلس بجانبك فقط.

ـ لماذا؟

ـ لأن بعض الوجع لا يحتاج إلى كلام.

ومنذ تلك اللحظة بدأت هي تكتشف رجلًا لم تره بعينيها، لكنه كان أقرب إليها من أشخاص عاشوا معها سنوات.

وكان هو يكتشف امرأة لم يجلس أمامها في مقهى، ولم يمسك يدها، ولم يعرف رائحة عطرها، لكنه أصبح يعرف متى تكون حزينة من كلمة واحدة.


ذات مساء قالت:

ـ هل تتخيل أن نتزوج؟

قرأ الرسالة أكثر من مرة.

ثم كتب:

ـ أنا أتخيل ذلك منذ فترة.

ـ وأين نعيش؟

ـ في القاهرة بالطبع .

ضحكت:

ـ لماذا القاهرة؟

ـ أريد أن آخذك إلى النيل.

وهل هو اجمل من المحيط؟

ليس الى هذا الحد

ـ وماذا سنفعل؟

ـ نمشي.

ـ فقط؟

ـ نمشي حتى نتعب.

ـ وبعدها؟

ـ نجلس على النيل.

ـ وبعدها؟

ـ أشرب قهوة وأنت تتحدثين.

قالت:

ـ أنت تحلم كثيرًا.

ـ لأنني لم أعش أحلامي من قبل.

ـ وهل تستطيع الزواج؟

ـ أستطيع.

ـ والخاتم؟

ـ الخاتم؟

ـ أريد خاتمًا ثمينًا.

ضحك:

ـ تريدين أن تختبري حبي؟

ـ لا… أريد شيئًا عندما أنظر إليه أتذكرك.

قال:

ـ سيكون لك خاتم ثمين.

ـ تعدني؟

ـ أعدك.

ـ لا تنسَ.

ـ مستحيل.

كان معه يومها مال يستطيع أن يحقق به الوعد، وكان يفكر بالفعل في اليوم الذي يضع فيه الخاتم في يدها.

لم يكن يعرف أنه سيأتي يوم يصبح فيه ذلك الخاتم أغلى شيء في حياته.


مرت الأيام.

ثم الشهور.

وكانت الحياة أقوى من الأحلام.

الأولاد.

المشكلات.

الأسرة.

الخوف.

الماضي.

وكلما اقتربا خطوة من الزواج، وجد كل منهما سببًا للتوقف.

حتى قالت له ذات مرة:

ـ لا أستطيع أن أخسر أولادي.

لم يغضب.

قال:

ـ أعرف.

ـ ماذا نفعل إذن؟

ـ نحب بعضنا.

ـ وهل يكفي الحب؟

ـ أحيانًا لا يكفي… لكنه الشيء الوحيد الذي يجعلنا نتحمل ما لا يكفي.

وبالفعل، لم ينفصلا.

مرت سنة.

ثم سنتان.

ثم ثلاث.

ثم أربع سنوات.

لم يلتقيا خلالها لقاءً حقيقيًا، لكنهما التقيا كل يوم.

على الهاتف.

على الشاشة.

في الرسائل.

في المكالمات الطويلة.

كان يعرف موعد نومها.

وتعرف متى يتعب.

كان يسألها عن أولادها.

وتسأله عن مشاريعه.

كان يرسل لها صورة قهوته.

وترسل له صورة صباحها.

برسل لها اغنية لعبد الحليم 

ترد عليه باغنية لورده

وكانت تقول له:

ـ هل أكلت؟

فيجيب:

ـ نعم.

فتقول:

ـ تكذب.

فيضحك:

ـ كيف عرفت؟

ـ لأنك عندما تأكل جيدًا لا تكون عصبيًا.

وكان سعيدًا.

سعيدًا إلى درجة لم يعرفها في حياته.

لم تكن بالنسبة إليه مجرد امرأة يحبها.

كانت صديقته.

ومستشارته.

وأخته التي يحكي لها.

وحبيبته.

والشخص الذي يعرف تفاصيله الصغيرة.

كانت تقول له:

ـ لا تدخل في هذا المشروع.

ـ لماذا؟

ـ لأنني أشعر أن فيه مخاطرة.

ـ أنت لا تعرفين التفاصيل.

ـ لكنني أعرفك.

وكان يسمع كلامها.

وحين يمرض، تقلق.

وحين ينجح، تفرح.

وحين يحزن، تظل معه حتى يهدأ.

وفي إحدى الليالي قال لها:

ـ أنت تعرفين كل شيء عني.

ـ تقريبًا.

ـ إلا شيئًا واحدًا.

ـ ماذا؟

ـ كم أحبك.

ضحكت.

ـ لا أعرف.

ـ وأنا أيضًا لم أكن أعرف أن الإنسان يستطيع أن يحب إلى هذا الحد.


وبعد سنوات من الانتظار عاد الحديث عن الزواج.

لم تقل له: تزوجني.

ولم يقل لها: تعالي.

كانت الكلمات تأتي في شكل أسئلة.

قالت:

ـ الزواج يحتاج إلى مال.

ـ أعرف.

ـ والمسؤولية كبيرة.

ـ أعرف.

ـ والرجل يجب أن يكون قادرًا على البيت.

ـ أستطيع.

ثم قالت:

ـ يعني، مثلًا، لو كان الدخل خمسين ألف درهم مغربي في الشهر؟

ابتسم.

فهم السؤال.

وقال:

ـ أستطيع أن أحقق ذلك.

ثم سكتا.

لم يطلب منها وعدًا.

ولم تطلب منه موعدًا.

لكن الفكرة عادت إلى قلبه.

وفي تلك الليلة، وفي أحد أيام طنجة، احتاج إلى بعض المال.

اراد ان يشترى بعض متعلقاته الخاصة لكنه فتح حسابًا اخر  دون ان يدرى

كان يحتفظ فيه بمدخراته بعيدًا عن الجميع.

نظر إلى الرقم.

قال لنفسه:

“ليس المال ثمن الحب… لكنه قد يكون بداية حياة.”

وكان يفكر في الخاتم.

ثم البيت.

ثم السفر.

ثم القاهرة.

ثم النيل.

وكان يبتسم وحده.

ذهب إلى ماكينة الصراف الآلي.

أدخل البطاقة.

كتب الرقم السري.

اختار المبلغ.

انتظر.

ثم ظهرت على الشاشة كلمة واحدة:

الرصيد غير كافٍ.

عبس.

أعاد المحاولة.

ثم مرة ثانية.

ثم ثالثة.

الرصيد: صفر.

قال لنفسه:

ـ مستحيل.

ذهب إلى ماكينة أخرى.

ثم أخرى.

ثم أخرى.

والنتيجة نفسها.

صفر.

لم يشعر بقدميه.

ذهب في اليوم التالي إلى البنك.

دخل إلى الموظفة.

كانت فرنسية الأصل، لكنها تتحدث المغربية بطلاقة.

قال لها:

ـ هناك خطأ في حسابي.

راجعت بياناته.

ثم نظرت إليه.

ـ حسابك؟

ـ نعم.

ـ منذ متى لم تسحب منه؟

ـ لم أسحب منه منذ سنوات.

قلبت الشاشة.

ثم قالت:

ـ غريب.

ـ ماذا؟

ـ راجعت الحساب ستة أشهر كاملة.

ـ نعم؟

ـ الرصيد صفر طوال هذه الفترة.

حدق فيها.

ـ هذا مستحيل.

استدعت المدير.

بدأت الأسئلة.

ثم دخل رجل آخر.

ثم موظف قانوني.

ثم خبير.

وبعد ساعات قيل له إن الأمر يحتاج إلى فحص أمني وتقني.

وسُئل عن الأجهزة التي يستخدمها.

أحضر هاتفه.

والجهاز اللوحي.

وبعض الملفات.

ثم قيل له:

ـ هل لديك حاسوب محمول؟

قال:

ـ نعم.

ـ أحضره غدًا.


في تلك الليلة اتصلت به.

ـ أين أنت؟

ـ متعب.

ـ صوتك غريب.

ـ لا شيء.

ـ هل حدث شيء؟

تردد.

ثم قال:

ـ مشاريعي لا تتحرك.

ـ قلت لك لا تقلق.

ـ أحاول.

ـ هل أكلت؟

ابتسم رغم كل شيء.

ـ أنت لا تغيرين عادتك.

ـ وأنت لا تغير عاداتك.

ـ ماذا تقصدين؟

انا زعلان منك 

ليه حبيبي 

مصبحتش عليا حتى الان 

ازاى ؟

فين العواطف الجميلة فين ام كلثوم وهيه بتقول

لو كن اعرف احب تان احبك انت

ااااااااه عندك حق انتى حبيبي وروح قلبى 

وانا ب

كمليها كمليها ….

بخيلة !

يضحكان سعداء كما لو كان كلا منهما يحضن الاخر

ـ ادرى انه عندما تكون حزينًا تقول إنك بخير.

ضحك.

ـ أنت خطيرة.

ـ وأنا أعرفك.

لم يخبرها.

لم يقل لها إن شيئًا غريبًا حدث في البنك.

ولم يقل إن المال الذي كان يفكر أن يشتري به خاتمها قد اختفى.

لم يكن يريد أن يضع في قلبها قلقًا جديدًا.

وفي صباح اليوم التالي عاد إلى البنك.


فتحوا الأجهزة واحدًا تلو الآخر.

صور.

ملفات.

رسائل.

حسابات.

ثم جاء دور الحاسوب.

جلس الخبير أمام الشاشة.

قال:

ـ هل تتذكر بريدك الإلكتروني؟

ـ نعم.

ـ كلمة السر؟

سكت.

ـ لا أتذكرها.

استعانوا بأداة تقنية، وبعد محاولات طويلة استطاعوا الوصول إلى الحساب.

بدأت الرسائل تظهر.

ثم توقفت يد الخبير.

ـ لحظة.

ـ ماذا؟

ـ هنا شيء مهم.

فتح رسالة قديمة.

كانت من جهة أمريكية تعمل في مجال الهجرة.

قال الرجل:

ـ آه… هذه.

ـ تعرفها؟

ـ نعم.

ـ ماذا كنت تفعل معها؟

ـ كنت قد تقدمت إلى برنامج للهجرة إلى أمريكا.

ـ وهل فزت؟

دخلت القرعة

ضحك:

ـ لا أظن. نسيت الأمر أصلًا.

قال الخبير:

ـ هل تسمح لنا بفتح الرسالة؟

ـ افتح.

فتحوا الرسالة.

ثم ظهرت البيانات.

الاسم كاملًا.

العنوان.

رقم الهاتف.

اسم الأب.

اسم الجد.

تاريخ الميلاد.

مكان الميلاد.

رقم جواز السفر.

بيانات شخصية دقيقة.

نظر المدير إليه.

ثم قال:

ـ هل أنت من كتبت هذه البيانات؟

ـ نعم.

ـ وأرسلتها؟

ـ نعم.

ساد الصمت.

قال الخبير:

ـ يبدو أنك وقعت ضحية احتيال إلكتروني.

سأله الرجل:

ـ كيف؟

شرحوا له أن بياناته الشخصية استُخدمت للوصول إلى حسابه المالي، وأن المعلومات التي قدمها في ملف الهجرة أصبحت جزءًا من سلسلة استغلالية مكّنت المحتالين من انتحال شخصيته والوصول إلى أمواله.

ثم سأله أحدهم:

ـ كم كان في الحساب؟

قال بصوت منخفض:

ـ مئتان وسبعون ألف درهم.

ساد الصمت.

لم يكن الرقم بالنسبة لهم مجرد رقم.

كان بالنسبة إليه بيتًا صغيرًا.

ومشروعًا.

وسفرًا.

وخاتمًا.

وحياة كان يراها تقترب.

جلس على الكرسي.

وأطرق رأسه.

ثم قال:

ـ كل هذا بسبب بريد إلكتروني قديم؟

قال المدير:

ـ للأسف.

ابتسم ابتسامة مرة.

ـ الإنسان يضع كل أسراره في صندوق صغير، ثم ينسى أن العالم كله يمكن أن يحاول فتحه.

وفجأة قال أحد رجال الخبرة، محاولًا إخراجه من حالة الانكسار:

ـ لكنك نسيت شيئًا مهمًا.

رفع الرجل رأسه.

ـ ماذا؟

قال الرجل:

ـ أنت أعطيتهم كل شيء تقريبًا.

ـ وماذا تركت؟

ضحك بسخرية:

ـ ماذا؟

قال:

ـ اسم أمك.

سكت الجميع اعقبه ضحكة مكتومة.

ثم أضاف:

ـ لو كنت كتبته أيضًا، لكان الأمر أخطر بكثير. كان بإمكانهم استخدامه في انتحال شخصيتك أمام جهات رسمية.

نظر إليه الرجل لحظات.

ثم انفجر الجميع في ضحكة صغيرة، كانت أشبه بمحاولة إنقاذ إنسان من الغرق.

ضحك هو أيضًا.

لكن ضحكته كانت مختلفة.

كانت ضحكة رجل اكتشف أن المال يمكن أن يختفي في ساعات، بينما الإنسان يظل واقفًا أمام نفسه ويسأل:

“وماذا أفعل الآن؟”


خرج من البنك.

كانت طنجة كما هي.

السيارات.

الناس.

المحال.

البحر.

الضجيج.

كل شيء يتحرك، وكأن العالم لم يعرف أن رجلًا خرج للتو من غرفة فقد فيها حلمًا كبيرًا.

أمسك هاتفه.

كان هناك اسمها.

نظر إليه طويلًا.

ثم ابتسم.

لم يكتب لها شيئًا عن المال.

لم يقل:

“ضاع كل شيء.”

ولم يقل:

“لم يعد باستطاعتي الزواج.”

ولم يهرب.

بل كتب:

ـ أين أنت؟

جاء ردها سريعًا:

ـ هنا.

ـ ماذا تفعلين؟

ـ أنتظرك.

قرأ الكلمة أكثر من مرة.

ثم كتب:

ـ أنا أيضًا كنت أنتظرك.

سألته:

ـ هل أنت بخير؟

نظر إلى البحر.

ثم كتب:

ـ الآن أفضل.

قالت:

ـ لماذا؟

فكر طويلًا.

ثم كتب:

ـ لأنني اكتشفت أن الإنسان قد يخسر المال، لكنه لا يخسر بالضرورة الشيء الذي من أجله جمع المال.

سألته:

ـ كلام غريب.

قال:

ـ سأحكي لك يومًا.

ـ متى؟

ـ عندما أكون مستعدًا.

ـ وأنا هنا.

نظر إلى الجملة.

ثم كتب:

ـ أعرف.

وأغلق الهاتف.

لم يكن قد قرر ماذا سيفعل.

هل يبدأ من جديد؟

هل يعيد بناء المال؟

هل يشتري الخاتم يومًا؟

هل يتزوجان؟

هل يبقيان كما هما؟

لم يكن يعرف.

لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط.

أن الأربعة أعوام التي عاشها معها لم تكن موجودة في حساب البنك.

وأن الخاتم الذي وعدها به لم يكن في الخزانة.

وأن المال الذي جمعه لم يكن هو ثروته الحقيقية.

كانت ثروته الحقيقية امرأة من فاس، كانت كلما سألته:

“هل أكلت؟”

تذكر أن هناك إنسانًا في هذا العالم يهتم به.

وفي المساء اتصلت به.

قالت:

ـ أريد أن أسألك سؤالًا.

ـ اسألي.

ـ هل ما زلت تحلم بالقاهرة؟

ابتسم.

وقال:

ـ أكثر من أي وقت مضى.

ـ والنيل؟

ـ ما زلت أريد أن أمشي معك على ضفته.

ـ والخاتم؟

سكت قليلًا.

ثم قال:

ـ الخاتم لم يأتِ بعد.

ضحكت.

ـ ومن قال إنني ما زلت أريده؟

قال:

ـ أنتِ.

ـ متى؟

ـ يوم كنتِ تحلمين معي.

صمتت.

ثم قالت:

ـ ربما بعض الأحلام لا تحتاج إلى خاتم.

قال:

ـ وربما بعض الخواتم تحتاج أولًا إلى حلم.

وانتهت المكالمة.

لكنه لم ينتهِ من الحلم.

ولأول مرة في حياته، لم يعد الرجل الذي كان يضحك من العاشقين يرى الحب حكاية عن المال، أو الزواج، أو الخواتم.

صار يراه شيئًا آخر:

أن تجد، بعد اثنين وستين عامًا من العمر، إنسانًا واحدًا يجعلك تشعر أن الأيام التي ضاعت لم تكن كلها خسارة.

وفي اليوم التالي بدأ من جديد.

ليس من أجل المال فقط.

وليس من أجل الخاتم.

بل من أجل أن يعرف، عندما يصل يومًا إلى القاهرة، هل يستطيع أن يقول لها وهو يسيران على النيل:

“تأخرتِ عليّ.”

فتجيبه:

“وأنت انتظرت.”

فيقول:

“كنت سأنتظر أكثر.”

ثم يضحكان.

وكأن السنوات الأربع لم تكن انتظارًا.

بل كانت الطريق الطويل إلى تلك اللحظة.

بقلمى : على رشيد ادريس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى