نتنياهو وحبدا في الأمم المتحدة .. والهروب من لحظة الحقيقة ؟؟

بقلم : على خليل

لم يكن السؤال في قاعة الجمعية العامة هذا العام هو ماذا سيقول بنيامين نتنياهو، بل لمن سيقول. 

قبل 50 عاماً، وقف حاييم هرتسوغ في نفس القاعة ومزق قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية. كان خطاباً هجومياً، لكنه كان دفاعاً في لحظة كانت فيها إسرائيل معزولة أيديولوجياً. اليوم، الوضع معكوس تماماً. إسرائيل ليست معزولة بقرار أممي، بل معزولة بسلوك حكومتها.

وهنا يقع فشل نتنياهو الاستراتيجي:

1. خسر رأس المال الأخلاقي لـ 7 أكتوبر

 دخلت إسرائيل هذه الحرب بدعم دولي غير مسبوق لحقها في الرد على مجزرة حماس. بعد ثلاث سنوات تقريباً، هذا الدعم تبخر. لماذا؟ لأن العالم انتقل من سؤال “لماذا ترد إسرائيل؟” إلى سؤال “إلى متى ستستمر في الرد، وما هو شكل غزة والضفة بعد الرد؟”. نتنياهو لم يأتِ بإجابة، بل جاء بتكرار لنفس خطاب الحرب.

2. قاعة المحاكمة لا المنصة
انظر إلى من تكلم قبله وبعده، لتفهم حجم العزلة:

  • الملك عبد الله الثاني:

  • لم يعد يتحدث بلغة المجاملة الدبلوماسية، بل اتهم إسرائيل صراحة بأنها تعيد تشكيل الواقع على الأرض في غزة والضفة لنسف فكرة الدولة الفلسطينية.
  • أنطونيو غوتيريش: الأمين العام للأمم المتحدة،

  • الذي يمثل الضمير القانوني للمنظمة، انتقد بشدة سلوك إسرائيل في غزة والتوسع الاستيطاني. هذا ليس موقفاً يسارياً، هذا هو موقف القانون الدولي.
  • أردوغان:

  • استغل المنصة مرة أخرى للمطالبة بإجراءات دولية، وهو يجد اليوم آذاناً صاغية أكثر من أي وقت مضى.
  • زيلينسكي:

  • حتى حليف إسرائيل الطبيعي في معسكر الديمقراطيات، كان خطابه عن ضرورة الضغط الدولي لوقف المعتدي، وهي رسالة يقرأها الجميع في نيويورك على أنها تنطبق على كل الحروب، بما فيها حرب غزة.

3. القاعة الفارغة.. هي الرسالة

المشهد الأكثر بلاغة في الدورة الـ81 لم يكن ما قاله نتنياهو، بل من رفض أن يسمعه. مع صعوده إلى المنصة، شهدت قاعة الجمعية العامة انسحاباً جماعياً لـ 77 وفداً دفعة واحدة، في مشهد وصفته وسائل إعلام عبرية نفسها بأنه غير مسبوق وترك نتنياهو يتحدث أمام قاعة شبه فارغة.

القائمة التي نشرتها المصادر الإسرائيلية كشفت أن المنسحبين لم يكونوا دولاً هامشية، بل شملوا جيران إسرائيل الأربعة، والسعودية ومصر والأردن وتركيا وإسبانيا والبرازيل وجنوب إفريقيا، وهو ما اعتبرته الصحافة الدولية “صفعة مدوية” ودليل على اتساع عزلتها.

المفارقة الكاشفة أن دولتين عربيتين فقط من المطبعين بقيتا في القاعة واستمعتا للخطاب – الإمارات والبحرين – وهو ما أشادت به صحيفة يديعوت أحرونوت نفسها، بينما تشير روايتك الميدانية إلى أن الإمارات والمغرب هما من بقيا، وهو ما يؤكد أن حتى معسكر التطبيع نفسه منقسم ومحرج من الاستمرار في الدفاع عن حكومة باتت عبئاً على صورتها.

هذا الانسحاب ليس بروتوكولاً، بل استفتاء. عندما يغادر 77 وفداً القاعة، فالرسالة ليست لنتنياهو وحده، بل لكل حليف لا يزال يراهن على أن بإمكانه حشد الداخل الإسرائيلي بينما يخسر العالم الخارجي. 

نتنياهو يقف في الوسط، لكنه لا يخاطب الوسط. كل هؤلاء القادة يتحدثون عن “اليوم التالي”، بينما هو لا يزال عالقاً في 8 أكتوبر.

4. خيار الجبن السياسي:

حشد القاعدة بدلاً من مخاطبة العالم

 الأول – رجل دولة:

أن يتحدث عن اهتمام إسرائيل بالاستقرار الإقليمي، عن خطة واضحة لإطلاق سراح الرهائن، عن غزة منزوعة السلاح من حماس، عن مسار دبلوماسي، وحتى – كما يقترح المقال – عن اعتراف إنساني بمعاناة المدنيين العالقين في الحرب مع تحميل حماس المسؤولية عن دمج مقاتليها بينهم. هذا الخطاب لن يغير موقف الجزائر أو تركيا، لكنه كان سيعطي ذخيرة لأصدقاء إسرائيل الحقيقيين في واشنطن وبرلين وباريس ولندن الذين يكافحون للدفاع عنها.

الثاني – زعيم حملة انتخابية:

وهو ما اختاره. خطاب مصمم ليُقتطع منه 30 ثانية للنشرة المسائية في القناة 14، لمهاجمة الأمم المتحدة، واتهام العالم بمعاداة السامية، والظهور بمظهر الصامد وحيداً. هذا يفيد نتنياهو في المحكمة وفي الائتلاف، لكنه يدمر ما تبقى من مكانة إسرائيل الدولية التي بنيت بصعوبة بعد إلغاء قرار 1975.

في 1975، هاجم هرتسوغ الأمم المتحدة لأن القرار كان ظالماً. في 2026، يهاجم نتنياهو الأمم المتحدة لأن الوقائع على الأرض أصبحت صعبة الدفاع عنها.

المسرح الأممي منح نتنياهو فرصة ليقول للعالم ماذا بعد الحرب. لكنه فضل أن يقول لناخبيه: أنا أحارب العالم من أجلكم. والنتيجة أن العالم بدأ فعلاً يتحرك بدونه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى