العودة إلى مدارس غزة.. الاختبار الحقيقي ليس في فتح الفصول بل فيما يتعلمه الأطفال

اعدته للنشر : هالة أبو سليم – خاص عرب تليجراف
عودة أطفال غزة إلى مقاعد الدراسة بعد نحو ثلاث سنوات من الانقطاع تمثل، في ظاهرها، خطوة نحو استعادة الحياة الطبيعية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا. لكن إعادة فتح أبواب المدارس، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة هذا المستقبل. فالسؤال الأهم لا يتعلق فقط بعدد الفصول التي أعيد تشغيلها أو حجم المساعدات التعليمية التي وصلت إلى القطاع، وإنما بما يتلقاه الأطفال داخل هذه الفصول، وما إذا كان التعليم الجديد قادرًا على كسر دائرة الخوف والعنف والانقسام.
لقد عاد الطلاب إلى التعليم الحضوري في ظروف استثنائية، وسط نقص حاد في المباني المدرسية، واعتماد بعض المؤسسات التعليمية على الخيام والمراكز المؤقتة، إلى جانب معاناة أسر كثيرة في توفير الزي المدرسي والكتب والأدوات الأساسية. ويأتي ذلك بينما يحاول الأطفال استئناف حياتهم التعليمية في بيئة لا تزال مثقلة بآثار الحرب والنزوح والخوف.
وبحسب ما ورد في التقرير، فإن العام الدراسي 2026-2027 يمضي بدعم من منظمات دولية ومحلية، مع توقع التحاق مئات الآلاف من الطلاب بمراكز تعليمية مؤقتة تدعمها اليونيسف. غير أن توفير المكان والكتاب والأدوات لا يجيب وحده عن السؤال الأكثر حساسية: ماذا سيتعلم هؤلاء الأطفال؟
تغيير المدارس لا يكفي إذا بقيت المناهج كما هي
إن إعادة بناء المدارس يجب أن تترافق مع مراجعة حقيقية للمناهج وأساليب التعليم. فالمؤسسات الدولية التي تقدم الدعم اللوجستي والتعليمي لا تتولى بالضرورة إدارة النظام التعليمي أو تحديد محتوى المناهج، كما أن وجود مراكز تعليم مؤقتة لا يعني تلقائيًا حدوث تحول في طريقة تقديم المعرفة أو في الرسائل التي يتلقاها الطلاب.
ولهذا فإن أي حديث عن مستقبل مختلف لغزة يحتاج إلى النظر إلى التعليم باعتباره أحد أهم مفاتيح هذا المستقبل. فالمدرسة ليست مجرد مبنى، والكتاب ليس مجرد صفحات، والمعلم لا يؤدي وظيفة تعليمية فقط؛ بل يشارك في تشكيل وعي جيل كامل، وفي تحديد نظرته إلى الآخر وإلى المجتمع وإلى معنى الحياة والمستقبل.
ومن هنا، فإن إعادة فتح المدارس ينبغي أن تكون فرصة لمراجعة ما يتعلمه الأطفال، وترسيخ قيم المعرفة والتسامح واحترام الإنسان، بدل أن تتحول المؤسسات التعليمية إلى مساحة لإعادة إنتاج الصراع.
اختبار حقيقي لـ«اليوم التالي»
إن مستقبل غزة لن تحدده عملية إعادة بناء المباني وحدها، وإنما أيضًا طبيعة النظام التعليمي الذي سيُبنى بالتوازي معها. فإذا تغيرت أماكن الدراسة بينما ظلت المناهج وأساليب التعليم والرسائل الموجهة إلى الأطفال على حالها، فإن التغيير سيبقى شكليًا، وقد تعود الدورة ذاتها من جديد.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل حديث عن عودة الطلاب إلى المدارس هو: أي جيل نريد أن تخرجه مدارس غزة؟
جيل يتعلم القراءة والكتابة والعلوم والحساب، ويكتسب القدرة على التفكير والنقد والحوار، ويبحث عن مستقبله من خلال المعرفة والعمل؛ أم جيل يحمل منذ طفولته إرث الصراع والكراهية والعنف؟
إن الحديث عن «اليوم التالي» في غزة لا يمكن أن يكتمل من دون الإجابة عن هذا السؤال. فالتعليم سيكون أحد أهم الاختبارات الحقيقية لأي مشروع لإعادة بناء القطاع، ليس فقط عمرانيًا، وإنما اجتماعيًا وإنسانيًا أيضًا.
قد تُهدم الأنفاق، وتتوقف الصواريخ، وتُعاد إقامة المباني، لكن مستقبل غزة سيظل مرتبطًا بما يُزرع في عقول أطفالها. ولذلك فإن المدرسة التي تفتح أبوابها اليوم يجب ألا تكون مجرد عودة إلى ما كان قائمًا قبل الحرب، وإنما بداية لنظام تعليمي قادر على إعداد جيل مختلف، يمتلك المعرفة والقدرة على بناء مستقبله بدل أن يرث صراعات الماضي.