عندما تعترف السعودية بإسرائيل.. العالم الإسلامي أمام إعادة تعريف تاريخية

هالة ابو سليم

بقلم: هالة أبو سليم – كاتبة فلسطينية

إن الاعتراف السعودي المحتمل بإسرائيل لن يكون مجرد إضافة دولة عربية جديدة إلى دائرة العلاقات الرسمية مع الدولة العبرية، بل قد يمثل تحولًا أوسع في بنية النظام الإقليمي، ويفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل داخل العالمين العربي والإسلامي، بما يفرض على القوى السياسية والإقليمية إعادة النظر في كثير من الحسابات التي ظلت قائمة لعقود.

فمصر أقامت علاقات سلام مع إسرائيل منذ عام 1979، ثم جاء الأردن، وتبعت ذلك اتفاقيات إبراهيم التي فتحت مسارات دبلوماسية بين إسرائيل والإمارات والبحرين، فيما استأنف المغرب علاقاته الرسمية مع إسرائيل. غير أن دخول السعودية، بثقلها السياسي والديني والاقتصادي ومكانتها في العالم الإسلامي، إلى هذا المسار سيكون مختلفًا من حيث دلالاته وتأثيراته.

فالرياض لا تمثل دولة عربية فحسب، وإنما تمثل مركزًا بالغ التأثير في صياغة المواقف العربية والإسلامية، ولذلك فإن أي اتفاق سعودي إسرائيلي لن يتوقف تأثيره عند حدود العلاقات الثنائية، بل قد يعيد رسم الحدود السياسية والنفسية التي تحكم مفهوم التطبيع والعلاقات مع إسرائيل في المنطقة.

السعودية وتغيير قواعد العلاقة مع إسرائيل

إذا انتقلت الرياض من الاتصالات والوساطات والمسارات غير المباشرة إلى الاعتراف الرسمي بإسرائيل، فإن ذلك قد يمنح دولًا أخرى مساحة أوسع لإعادة تقييم علاقاتها مع الدولة العبرية، ويجعل إقامة العلاقات الدبلوماسية معها خيارًا يمكن مناقشته علنًا ضمن حسابات المصالح الوطنية، بدل أن يظل في بعض البيئات السياسية محكومًا باعتبارات الرفض المطلق.

وهنا تكمن أهمية الخطوة السعودية المحتملة؛ فهي لا تتعلق فقط بفتح سفارة أو توقيع اتفاق، وإنما بتغيير الإطار الذي تُفهم من خلاله العلاقة مع إسرائيل في الإقليم.

وقد يمتد هذا التأثير إلى مؤسسات العمل العربي والإسلامي، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، حيث يمكن أن تبرز تدريجيًا نقاشات جديدة حول طبيعة التعامل مع إسرائيل، وحدود التعاون معها، والوسائل الأكثر فاعلية للتعامل مع القضية الفلسطينية.

كما ستجد دول إسلامية ذات ثقل سياسي، مثل تركيا وباكستان، نفسها أمام بيئة إقليمية مختلفة، تستدعي إعادة صياغة خطابها ومواقفها بما يتناسب مع التحولات الجديدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تطابق مواقفها أو تخليها عن رؤيتها للقضية الفلسطينية.

فلسطين لن تختفي من المعادلة

لكن التحول المحتمل لا يعني بالضرورة تراجع القضية الفلسطينية أو خروجها من الحسابات العربية. على العكس، فقد يصبح مستقبل الدولة الفلسطينية جزءًا أكثر مركزية في أي تفاهم سعودي إسرائيلي.

وقد أكدت السعودية في مواقفها المعلنة أن إقامة الدولة الفلسطينية تمثل عنصرًا أساسيًا في رؤيتها للعلاقات مع إسرائيل. ومن ثم، فإن المسار المحتمل قد ينقل القضية الفلسطينية من كونها سببًا لرفض أي علاقة مع إسرائيل إلى كونها محورًا رئيسيًا للتفاوض حول طبيعة تلك العلاقة ومستقبل المنطقة.

وهنا قد تظهر معادلة جديدة: علاقات دبلوماسية عربية مع إسرائيل، في مقابل ضغط سياسي من أجل حل الدولتين وإنهاء الصراع على أساس تسوية تضمن الحقوق الفلسطينية.

وبذلك قد يتحول الاعتراف العربي بإسرائيل من مجرد مسألة تتعلق بالعلاقات الثنائية إلى ورقة سياسية يمكن استخدامها لدفع إسرائيل نحو تفاهمات أوسع بشأن القضية الفلسطينية.

نهاية احتكار رواية واحدة

أما إيران، فإن أي تحول سعودي رسمي تجاه إسرائيل سيضعها أمام واقع إقليمي جديد، خصوصًا أن طهران بنت جزءًا مهمًا من خطابها الإقليمي على مواجهة إسرائيل ودعم قوى المقاومة باعتبار ذلك أحد مكونات مشروعها السياسي في المنطقة.

غير أن إقامة علاقات عربية إضافية مع إسرائيل لن تعني اختفاء هذا الخطاب، ولن تنهي القضية الفلسطينية، كما أنها لن تحل الصراع العربي الإسرائيلي بصورة تلقائية. لكنها قد تؤدي إلى تراجع قدرة خطاب الرفض المطلق على تقديم نفسه باعتباره الموقف العربي أو الإسلامي الوحيد الممكن.

فإسرائيل ستظل دولة محل خلاف وصراع سياسي، وستظل القضية الفلسطينية قائمة ما لم تتم معالجة جذورها السياسية والقانونية والإنسانية. لكن وجود علاقات رسمية بينها وبين عدد متزايد من الدول العربية والإسلامية سيجعل التعامل معها جزءًا من المشهد السياسي الطبيعي في المنطقة، بدل بقائها في موقع الاستثناء الدائم.

وهذا هو التحول الأعمق الذي قد ينتج عن أي اتفاق سعودي إسرائيلي: ليس تغيير حدود إسرائيل، وإنما تغيير طريقة تعريفها داخل النظام الإقليمي.

فإذا انتقلت السعودية إلى الاعتراف الرسمي بإسرائيل، فلن يكون السؤال بعد ذلك: هل يمكن إقامة علاقة مع إسرائيل؟ وإنما: ما الذي يمكن تحقيقه من خلال هذه العلاقة، وما الثمن السياسي الذي يجب أن تدفعه إسرائيل مقابل اندماجها الكامل في المنطقة؟

وعند هذه النقطة، قد تدخل المنطقة مرحلة جديدة لا تختفي فيها القضية الفلسطينية، وإنما تنتقل إلى ساحة مختلفة من الصراع؛ من صراع حول مبدأ الاعتراف بإسرائيل إلى صراع حول شكل السلام، وحدود الحقوق الفلسطينية، وطبيعة الدولة الفلسطينية، ومستقبل الأمن الإقليمي.

وقد يكون هذا التحول، إذا حدث، من أكثر التحولات تأثيرًا في النظام السياسي للشرق الأوسط منذ عقود.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى