لبنان أمام مفترق خطير، هل نحن أمام حرب جديدة أم أمام فرصة أخيرة للتسوية؟

بقلم : ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لبنان اليوم ليس أمام أزمة واحدة، بل أمام تقاطع أزمات قد يحدد شكل الدولة ومستقبلها لسنوات طويلة. فالجنوب لا يزال تحت ضغط عسكري وأمني، والمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية مستمرة، فيما تتداخل الحسابات اللبنانية والإسرائيلية والأميركية والإقليمية في مشهد شديد التعقيد. وهنا يصبح السؤال الذي يهم كل لبناني، إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل تستطيع الدبلوماسية أن تمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة جديدة، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة؟
لبنان المنهك اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا لا يحتمل حربًا جديدة، ولا يستطيع أن يبقى في حالة توتر دائم تستنزف ما تبقى من قدرته على النهوض. لذلك، فإن الأولوية اليوم يجب أن تكون للوصول إلى تسوية سياسية جدية تعالج الملفات العالقة بين لبنان وإسرائيل، وتؤدي إلى تثبيت الحدود، وحماية السيادة اللبنانية، ووقف الاعتداءات، وإنهاء حالة التوتر المستمرة في الجنوب. فالتسوية لا تعني أن يتنازل لبنان عن حقوقه، ولا أن يحصل أي طرف على كل ما يريد، بل أن يتم الوصول إلى صيغة تحفظ مصالح لبنان وسيادته وتضع حدًا لحالة الاستنزاف التي يعيشها البلد منذ سنوات. فالسلام والاستقرار لا يصنعهما الخطاب العالي، بل القرارات السياسية الشجاعة.
لبنان يحتاج اليوم إلى أن يتعامل مع هذه المرحلة بعقل الدولة، لا بعقل ردود الفعل. ويحتاج إلى موقف لبناني واضح ومدعوم عربيًا ودوليًا، يضع مصلحة لبنان فوق الحسابات الإقليمية والدولية. فلا يمكن أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا أن يدفع شعبه ثمن صراعات تتجاوز حدوده. الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، بل جزء أساسي من مستقبل لبنان، وأمن اللبنانيين لا يمكن أن يبقى مرتبطًا بمواعيد التصعيد أو بتطورات المنطقة أو بقرارات القوى الخارجية. المطلوب أن تكون الدبلوماسية هي الطريق، والحوار هو الوسيلة، والدولة ومؤسساتها هي المرجعية التي تتولى حماية مصالح لبنان والتفاوض باسمه.
وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي أمام مسؤولية حقيقية، لا تتمثل فقط في إدارة الأزمة اللبنانية من مرحلة إلى أخرى، بل في مساعدة لبنان على الخروج منها. لبنان يحتاج إلى دعم مؤسساته، وحماية سيادته، وبيئة إقليمية ودولية تساعده على الاستقرار بدل إبقائه في دائرة الأزمات. فاستقرار لبنان لا يخدم اللبنانيين وحدهم، بل يشكل مصلحة للمنطقة كلها، وأي انفجار جديد ستكون كلفته أكبر من قدرة لبنان على تحمله. لذلك، المطلوب من الدول المؤثرة أن تدفع باتجاه تسوية تحفظ حقوق لبنان، وتمنع استمرار الاعتداءات، وتساعد على تثبيت الأمن والاستقرار، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة كلما اقتربت من الانفجار.
المطلوب ببساطة أن يعود لبنان إلى موقع الدولة التي تتحدث باسم نفسها، لا باسم الآخرين، وأن تصبح مصلحته الوطنية هي البوصلة التي تحكم علاقاته الداخلية والخارجية. لبنان لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يثبت وجوده، ولا يحتاج إلى أن يكون جسرًا بين القوى المتصارعة، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. لبنان يحتاج إلى دولة تحمي أرضها، وتصون سيادتها، وتفاوض من موقع القوة، وتحفظ كرامة شعبها، وتضع مصلحة اللبنانيين فوق كل اعتبار. فالحل الحقيقي ليس في انتصار طرف على طرف، بل في انتصار لبنان نفسه على منطق الأزمات المستمرة، وفي فتح الطريق أمام مرحلة جديدة يستطيع فيها اللبناني أن يعيش بأمان ويستعيد ثقته بوطنه ومستقبله.
وقد تكون المرحلة المقبلة من أخطر المراحل التي يمر بها لبنان، لكنها قد تكون أيضًا فرصة تاريخية للخروج من الدائرة التي أرهقت البلد وأبناءه. فاللبنانيون لا يريدون أن يستيقظوا كل صباح ليسألوا: هل بدأت الحرب اليوم؟ بل يريدون أن يعرفوا أن هناك دولة تعمل لمنع الحرب، وتحمي مصالحهم، وتبحث عن تسوية تحفظ السيادة والكرامة والاستقرار. ومن هنا، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام اللبنانيين ليس فقط، إلى أين يتجه الوضع في الجنوب؟
بل السؤال الأهم، هل يستطيع هذا العهد أن يقوم بهذه المهمة التاريخية، وأن يحوّل هذه اللحظة الخطيرة إلى فرصة حقيقية لإنقاذ لبنان، وتثبيت دولته، وحماية سيادته، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد؟