الشرق الأوسط يتغير.. انتهى زمن السيد الواحد.. و لبنان أمام خيار الدولة؟!

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم يعد الشرق الأوسط الذي عرفناه بالأمس هو الشرق الأوسط الذي نعيش فيه اليوم.
المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتغيّر فيها موازين القوى، وتتبدّل التحالفات، وتتراجع قواعد قديمة كانت تحكم المشهد لعقود. لم يعد هناك طرف واحد قادر على أن يمسك بكل خيوط المنطقة، أو يفرض وحده شكلها ومستقبلها.
نحن أمام شرق أوسط أكثر تعقيدًا، تتعدد فيه القوى والمصالح، وتزداد فيه قدرة الدول على المناورة وبناء علاقات متوازنة بعيدًا عن الاصطفاف الكامل خلف محور واحد.
لكن وسط هذا التحول الكبير، يبقى السؤال الذي يعني لبنان مباشرة:
ماذا سيفعل لبنان عندما يتغيّر الشرق الأوسط؟
هل سيبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟
أم سيقرر أخيرًا أن يكون دولة تملك قرارها؟
لبنان دفع ثمنًا باهظًا لأنه لم يكن دائمًا صاحب القرار في القضايا التي تمس أمنه ومستقبله. كلما اشتد الصراع في المنطقة، وجد نفسه في قلب العاصفة، وكلما تغيّرت موازين القوى، تغيّرت معها حساباته الداخلية.
لكن العالم يتغيّر، ومن الخطأ أن يبقى لبنان أسير المعادلات القديمة.
لا نريد سيّدًا جديدًا
لبنان لا يحتاج إلى استبدال وصاية بوصاية، ولا إلى الانتقال من محور إلى محور.
لا نريد لبنان تابعًا لأي دولة أو قوة، بل لبنان الذي يستطيع أن يتعامل مع الجميع من موقع الدولة، وأن يضع مصلحته الوطنية فوق أي اعتبار آخر.
السيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات.
السيادة تعني أن تكون هناك دولة واحدة تملك قرار الحرب والسلم، وتحمي حدودها، وتدير علاقاتها الخارجية، وتفرض القانون على الجميع دون استثناء.
أما أن تكون هناك قرارات متعددة داخل الدولة، فهذه ليست سيادة، بل وصفة دائمة للأزمات.
الشرق الأوسط الجديد فرصة للبنان
قد يبدو التحول الإقليمي مصدر خطر، لكنه في الوقت نفسه قد يكون فرصة.فعندما تتغيّر التحالفات وتتراجع الهيمنة المطلقة وتتعدد مراكز القوة، يصبح أمام الدول الصغيرة مجال أوسع للمناورة إذا كانت تمتلك دولة قوية ومؤسسات مستقرة.
لكن الدولة الضعيفة لا تستفيد من التحولات.
الدولة الضعيفة تتحول إلى ورقة، وهنا يجب أن نتوقف.
هل يريد اللبنانيون أن يبقوا ورقة في يد الآخرين؟
أم يريدون أن يصبح لبنان لاعبًا يحترم الجميع مصالحه؟
الجواب لا يحتاج إلى كثير من التفكير.
المشكلة ليست في الخارج فقط لطالما اعتدنا تحميل الخارج مسؤولية كل أزماتنا، لكن الحقيقة أن الخارج لا يستطيع أن يفعل ما يفعله في لبنان إلا عندما يجد داخلاً ضعيفًا، منقسمًا، ومتمسكًا بمنطق الزعامة والمحاصصة.
الدولة القوية لا تمنع الآخرين من محاولة التأثير فيها، لكنها تمنعهم من التحكم بقرارها.
ولهذا فإن معركة لبنان الحقيقية ليست مع دولة خارجية بعينها، معركته الحقيقية هي مع ضعف الدولة.
مع الفساد.
مع المحاصصة.
مع الزبائنية.
مع تحويل المؤسسات إلى أدوات لخدمة النفوذ السياسي.
ومع ثقافة جعلت المواطن يشعر أن الدولة عاجزة، وأن القانون لا يطبق على الجميع بالطريقة نفسها.
لبنان أمام امتحان تاريخي ،المرحلة المقبلة لن تكون سهلة.
فالمنطقة ستبقى مليئة بالمخاطر، والصراعات لن تختفي فجأة، والمصالح الدولية والإقليمية ستبقى حاضرة.
لكن لبنان يستطيع أن يخفف أخطارها إذا امتلك قرارًا وطنيًا واضحًا.
نحن لا نحتاج إلى عزل لبنان عن العالم، بل نحتاج إلى لبنان منفتح على الجميع، لكنه تابع لأحد.
نحتاج إلى علاقات متوازنة مع الشرق والغرب، مع الدول العربية، ومع المجتمع الدولي، على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
نحتاج إلى سياسة خارجية تقول بوضوح:
لبنان صديق للجميع، لكنه ليس ساحة لأحد.
الدولة أولًا…
لا يمكن بناء لبنان جديد من دون إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة.
الدولة ليست رئيسًا أو حكومة أو مجلس نواب فقط.
الدولة هي القانون.
الدولة هي المؤسسات.
الدولة هي القضاء المستقل.
الدولة هي الجيش والأجهزة الشرعية.
الدولة هي الاقتصاد المنتج.
الدولة هي حماية المواطن وحقوقه وكرامته.
وعندما تصبح الدولة أقوى من أي زعيم أو حزب أو طائفة أو مجموعة، عندها فقط نستطيع أن نقول إن لبنان بدأ يستعيد عافيته.
الشرق الأوسط يتغيّر، ومن الخطأ أن ننتظر حتى تنتهي التحولات لنقرر ماذا نريد.
علينا أن نقرر الآن.
فالعالم لا ينتظر الدول المترددة، والقوى الكبرى لا تبني مستقبل الدول الصغيرة بدلًا منها.
إما أن يبقى لبنان ساحة تتصارع فوقها القوى، وإما أن يصبح دولة تتعامل مع هذه القوى من موقع المصلحة الوطنية.
إما أن نبقى نبحث عن «سيّد» جديد، أو نقرر أن لبنان لا يحتاج إلى سيّد.
لبنان يحتاج إلى دولة.
دولة قوية، عادلة، سيادية، قادرة على حماية شعبها وصيانة قرارها وبناء مستقبلها.
لأن زمن السيّد الواحد يتغيّر…
أما زمن الدولة، فيجب أن يبدأ في لبنان الآن.