بينما الجنوب يُقصف… مجلس النواب يناقش الإعدام والعفو العام!

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لكن في هذا البلد، يبدو أن الضجيج السياسي يعلو على كل شيء، حتى على أنين الأرض.
في الوقت الذي كانت فيه القذائف الإسرائيلية تضرب الجنوب، والقرى اللبنانية تتحول إلى ركام، كان بعض أهل السلطة منشغلين داخل مجلس النواب بمعاركهم حول العفو العام وإلغاء عقوبة الإعدام.
نعم، لكل ملف تشريعي أهميته، ونعم، حقوق الإنسان والعدالة مسائل لا يجوز الاستهتار بها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
أين أولوية الدولة عندما يُستباح الجنوب؟
أين جلسة الطوارئ الوطنية؟
أين خطة حماية المدنيين؟
أين القرار السياسي الذي يضع إنقاذ لبنان وسيادته في مقدمة جدول الأعمال؟
في الجنوب هناك لبنانيون يخافون على بيوتهم وأرزاقهم وأبنائهم، وهناك أرض تُقصف وقرى تُدمّر، فيما يتحول مجلس النواب إلى ساحة سجال حول قوانين كان يمكن مناقشة بعضها في أي ظرف آخر.
المشكلة ليست في مناقشة قانون الإعدام أو العفو العام وإصدار القوانين بحد ذاتهما؛ المشكلة في ترتيب الأولويات الوطنية.
عندما يكون الوطن في خطر، يجب أن يكون البرلمان في مستوى الخطر.
الجنوب ليس بندًا مؤجّلًا على جدول أعمالكم… الجنوب هو لبنان. وعندما يكون الوطن في خطر، يجب أن يكون البرلمان في مستوى الخطر.
والدولة التي لا تجعل حماية أرضها وشعبها أولوية، تفقد تدريجياً معنى وجودها.
كفى انشغالًا بتسويات السلطة الطائفية… لبنان لا يحتاج إلى مزيد من التسويات، بل يحتاج إلى دولة..
لبنان أمام مفترق خطير: هل نحن أمام حرب جديدة أم أمام فرصة أخيرة للتسوية؟

لبنان اليوم ليس أمام أزمة واحدة، بل أمام تقاطع أزمات قد يحدد شكل الدولة ومستقبلها لسنوات طويلة.
فالجنوب لا يزال تحت ضغط عسكري وأمني، والمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية مستمرة، فيما تحوّل ملف سلاح حزب الله إلى العقدة المركزية التي تتداخل فيها الحسابات اللبنانية والإسرائيلية والأميركية والإقليمية. وفي أحدث تطور، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح حزب الله، بينما تؤكد بيروت أن آلية التحقق من نزع السلاح لم تُحسم بعد.
وهنا يصبح السؤال الذي يهم كل لبناني:
إلى أين نحن ذاهبون؟
هل نحن أمام حرب جديدة واسعة؟
أم أمام حرب محدودة ومفتوحة على الاحتمالات؟
أم أن المفاوضات ستنجح أخيرًا في إنتاج تسوية تنهي هذا النزاع؟
السيناريو الأول: الانفجار الكبير
هذا هو السيناريو الأكثر خطورة، لكنه ليس حتميًا.
قد يؤدي فشل المفاوضات، أو وقوع حادث أمني كبير، أو قيام إسرائيل بعملية واسعة، أو عودة حزب الله إلى التصعيد العسكري، إلى انهيار التوازن الهش القائم حاليًا.
والخطورة أن أي مواجهة جديدة لن تكون مجرد حرب بين إسرائيل وحزب الله.
لبنان اليوم لديه دولة تحاول استعادة قرارها، وجيش يحاول تثبيت دوره، ومجتمع منهك اقتصاديًا وسياسيًا، وبيئة إقليمية شديدة التعقيد.
أي حرب واسعة ستعني عمليًا ضرب ما تبقى من قدرة لبنان على النهوض.
وهنا يجب أن نسأل بصراحة:
من سيدفع الثمن؟
ليس السياسي الذي يجلس في مكتبه.
ولا المسؤول الذي يطلق التصريحات.
ولا صاحب القرار الذي يملك القدرة على مغادرة البلاد.
سيدفع الثمن المواطن، والجنوب، والاقتصاد، والجيش، والمستشفيات، والمدارس، وأبناء لبنان.
السيناريو الثاني: حرب محدودة لا تنتهي
وهذا ربما يكون السيناريو الأخطر من حيث الاستنزاف.
لا حرب شاملة، ولا سلام حقيقي.
ضربات إسرائيلية محدودة، ردود محدودة، اغتيالات، عمليات أمنية، توغلات موضعية، وتهديدات متبادلة، بينما يبقى الجنوب في حالة خوف دائم.
وهذا يعني تحويل لبنان إلى منطقة معلقة بين الحرب والسلام.
وهذا النوع من الصراعات قد يكون أكثر قسوة مما يبدو، لأنه يمنع الاستثمار، ويهجر الناس، ويقتل الأمل، ويجعل المواطن يعيش كل يوم وهو يسأل:
هل ستكون الليلة هادئة؟
السيناريو الثالث: التسوية
وهنا توجد نافذة أمل حقيقية، رغم صعوبة الطريق.
المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية التي جرت في روما برعاية أميركية تبحث أساسًا في ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، ودور الجيش اللبناني، وآلية التحقق، ومستقبل السلاح خارج الدولة. لكن الخلاف الأساسي ما زال قائمًا: إسرائيل تريد ضمانات مرتبطة بنزع سلاح حزب الله، بينما يرفض الحزب مناقشة نزع السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي.
وهذه هي العقدة التي يمكن أن تفجّر لبنان أو تنقذه.
فإذا استطاعت الدبلوماسية الأميركية والدولية إيجاد صيغة متدرجة تحفظ أمن إسرائيل، وتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية، وتُعيد القرار العسكري والأمني إلى الدولة اللبنانية بصورة تدريجية ومنظمة، فقد تكون هناك فرصة للخروج من الحلقة المفرغة.
لكن ذلك يتطلب شيئًا أساسيًا:
أن يتوقف الجميع عن التعامل مع لبنان باعتباره ساحة لتصفية الحسابات.
الخطر الحقيقي
الخطر الحقيقي ليس فقط في إسرائيل أو حزب الله أو إيران أو أي طرف خارجي منفرد.
الخطر الأكبر هو أن يبقى لبنان دولةً ناقصة القرار، تتنازعها مشاريع مختلفة، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الصراعات.
لا يمكن أن يستمر لبنان إلى الأبد بهذه المعادلة:
دولة تقول إن السلاح يجب أن يكون بيدها،
وحزب يقول إن المقاومة فوق قرار الدولة،
وإسرائيل تقول إن أمنها يبرر بقاءها داخل الأراضي اللبنانية،
وأميركا تحاول هندسة تسوية بين هذه الأطراف.
وفي النهاية، يبقى اللبناني يسأل:
أين هي الدولة؟
الثلاثون يومًا المقبلة
إذا أردنا قراءة المرحلة المقبلة بعيدًا عن التهويل والشائعات، فعلينا مراقبة أربعة مؤشرات أساسية:
أولًا: هل تستمر المفاوضات أم تنهار؟
ثانيًا: هل تتراجع إسرائيل عن موقفها المتعلق بالبقاء في الجنوب، أم تبدأ بتوسيع وجودها العسكري؟
ثالثًا: هل يبدأ الجيش اللبناني بتوسيع انتشاره ودوره بصورة ملموسة؟
رابعًا: هل يظهر أي استعداد حقيقي لمعالجة ملف السلاح خارج الدولة ضمن تسوية متدرجة، أم يستمر الرفض المتبادل؟
إذا تحركت هذه الملفات نحو التسوية، فهناك أمل.
أما إذا توقفت المفاوضات وتصاعدت العمليات العسكرية وارتفعت لغة التهديد، فسنكون أمام مرحلة شديدة الخطورة.
وأين لبنان من كل ذلك؟
لبنان لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يثبت وجوده.
ولا يحتاج إلى أن يكون جسرًا بين إيران وإسرائيل، ولا ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا صندوق بريد لأي قوة إقليمية.
لبنان يحتاج إلى دولة.
دولة تقول للجميع:
أرض لبنان ليست ساحة حرب لأحد.
ودولة تقول لإسرائيل:
أمنك لا يُبنى على احتلال أرضنا.
وتقول لكل قوة مسلحة داخل لبنان:
قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يكون خارج مؤسسات الدولة.
وتقول للمجتمع الدولي:
ساعدوا لبنان على بناء دولته، لا على إدارة أزمته إلى الأبد.
فالحل الحقيقي ليس في انتصار طرف لبناني على طرف لبناني آخر، بل في انتصار الدولة اللبنانية على منطق الساحة.
وقد تكون المرحلة المقبلة أخطر مرحلة منذ سنوات، لكنها قد تكون أيضًا فرصة تاريخية: فإما أن يستمر لبنان في دفع ثمن صراعات الآخرين، وإما أن يستعيد قراره ويضع حدًا لهذه الدائرة.
أما أن نبقى ننتظر كل صباح لنعرف: هل ستبدأ الحرب اليوم؟ فهذا ليس وطنًا يعيش… بل وطنٌ ينتظر مصيره.
لبنان لا يحتاج إلى منقذٍ خارجي، ولا إلى زعيمٍ جديد، بل إلى دولةٍ يعلو فيها القانون على الجميع، ويصبح قرار الحرب والسلم ملكًا للشعب والدولة وحدهما..