حين تضرب أمريكا خصومها ثم تكتشف أنهم يعيدون بناء أنفسهم.. من يستهلك من؟

هناك لحظة في الحروب تصبح فيها الصواريخ أقل أهمية من السؤال الذي يأتي بعدها:

من يستطيع أن يعيد بناء ما دُمّر أسرع من قدرة خصمه على تدميره؟

وهنا تبدأ الحكاية الإيرانية.

إسرائيل دخلت الحرب وهي تراهن على معادلة واضحة: اضرب البنية الصاروخية الإيرانية، استهدف مصانع الإنتاج، دمّر مراكز القيادة، عطّل خطوط الإمداد، ثم اترك إيران سنوات طويلة وهي تحاول استعادة ما فقدته.

الخطة كانت تبدو منطقية على الورق..

لكن الحرب لا تُدار على الورق.

تقديرات إسرائيلية متداولة تشير إلى أن إيران تسير باتجاه إعادة بناء قدراتها الصاروخية بوتيرة أسرع بكثير مما توقعته تل أبيب وواشنطن، مع توقعات بعودة الترسانة إلى مستويات ما قبل الحرب خلال فترة قصيرة نسبيًا.

وهنا تقع الصدمة.

أنت تستطيع تدمير المصنع، لكن كيف تدمر المعرفة التي صنعت المصنع؟

كيف تدمر خبرة المهندسين؟

كيف تمنع إعادة توزيع خطوط الإنتاج؟

كيف تمنع الخصم من تغيير أماكن التصنيع والتخزين؟

كيف تضرب القدرة على التعافي نفسها؟

هذه هي النقطة التي بدأت تكشف حدود استراتيجية القصف.

فإذا كان الصاروخ الذي دمرته اليوم يعود إلى الميدان غدًا بنسخة أخرى، فأنت لم تنهِ المشكلة..

أنت فقط أخّرتها.

وهذا هو الفرق بين تدمير السلاح وتدمير القدرة على إنتاج السلاح.

إيران هنا لا تحتاج إلى إقناع العالم بأنها أقوى من أمريكا عسكريًا.

لا أحد يقول ذلك.

المعادلة أكثر ذكاءً من هذا.

إيران تحاول أن تجعل كلفة التفوق الأمريكي أعلى من فائدته.

وهذه لعبة مختلفة تمامًا.

صاروخ منخفض الكلفة يمكن أن يجبر منظومة دفاعية باهظة على الاستنفار.

مسيّرة محدودة التكلفة قد تفرض تشغيل منظومات رصد واعتراض بملايين الدولارات.

تهديد الملاحة يرفع أسعار التأمين والشحن والطاقة.

ومع كل جولة، لا تنخفض فاتورة الطرفين بالمقدار نفسه.

هنا تصبح الحرب معركة حسابات.

أمريكا تستطيع إنتاج المزيد..

لكن السؤال:

كم تستطيع أن تنتج؟

وكم تستطيع أن تستهلك؟

وكم تستطيع أن ترسل إلى الشرق الأوسط من دون أن تترك فراغًا في المحيط الهادئ أو أوروبا أو أي جبهة أخرى؟

هذه هي العقدة.

القوة العظمى لا تُختبر في اليوم الأول من الحرب.

تُختبر في اليوم المئة.

حاملة الطائرات تحتاج إلى صيانة.

الطائرة المفقودة تحتاج إلى بديل.

صاروخ الاعتراض الذي أُطلق يحتاج إلى تعويض.

الجندي الذي أمضى أشهرًا في البحر يحتاج إلى راحة.

والسلاح الذي خرج من المخازن لن يعود إليها بمجرد انتهاء المؤتمر الصحفي.

لذلك فإن أخطر ما تكشفه الحروب الطويلة ليس عدد الصواريخ التي أطلقها كل طرف..

بل حجم المخزون الذي بقي بعد انتهاء الصواريخ.

وهنا تظهر مفارقة إيران.

طهران لا تحتاج إلى إغراق الأسطول الأمريكي حتى تحقق مكسبًا استراتيجيًا.

يكفي أن تجعل واشنطن تفكر في كلفة كل خطوة قبل اتخاذها.

وهذه هي وظيفة الردع.

ليس أن تمنع خصمك من امتلاك القوة..

بل أن تجعله يخشى فاتورة استخدامها.

ومن هنا نفهم لماذا أصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري.

إنه عقدة اقتصادية عالمية.

اضطراب الملاحة فيه ينعكس على النفط والتأمين والشحن والتضخم.

والنفط لا يبقى في البحر..

النفط يصل إلى محطة الوقود.

ثم يصل إلى جيب المواطن.

ثم يصل إلى صناديق الاقتراع.

وهنا تنتقل المعركة من غرفة العمليات إلى السياسة الأمريكية الداخلية.

ترامب يستطيع تحمل مواجهة عسكرية محدودة..

لكن ماذا يفعل إذا ارتفع النفط؟

ماذا يفعل إذا ارتفع التضخم؟

ماذا يقول للناخب الأمريكي الذي بدأ يدفع ثمن الحرب في حياته اليومية؟

هنا تصبح إيران قادرة على الضغط دون أن تحتاج إلى احتلال واشنطن أو إغراق حاملاتها.

يكفي أن تجعل واشنطن تدفع أكثر مما تريد.

ومن واشنطن ننتقل إلى اليمن..

وهنا تبدأ القصة الثانية.

التحالف السعودي التركي الباكستاني يستطيع أن يوقع الاتفاقيات ويعلن المناورات ويطور الصناعات الدفاعية ويتحدث عن الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية..

لكن الميدان لا يقرأ البيانات.

الميدان يقرأ الصاروخ.

وعندما تعرضت منشآت سعودية لهجمات من اليمن، ظهر السؤال الذي لا تستطيع البيانات الدبلوماسية الهروب منه:

إذا تعرضت دولة عضو في التحالف لضربة، هل يدخل بقية أعضاء التحالف الحرب؟

إن دخلوا، تبدأ حسابات جديدة.

وإن لم يدخلوا، تبدأ أسئلة أكبر حول معنى الردع الجماعي.

وهنا لا يتعلق الأمر بتركيا وباكستان وحدهما.

الدولتان لديهما حساباتهما الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

ولا توجد دولة عاقلة تدخل حربًا مفتوحة فقط لأنها وقعت ورقة.

التحالفات تُختبر عندما تصبح كلفة التضامن أعلى من قيمة التضامن.

وهذا بالضبط ما يجعل اليمن لاعبًا لا يمكن تجاهله.

الأمريكيون دخلوا البحر الأحمر بقوة عسكرية هائلة..

لكنهم اكتشفوا أن التفوق البحري لا يعني بالضرورة القدرة على ضمان حركة الملاحة كما يريدون.

وهذه رسالة شديدة الأهمية لكل من يفكر في فتح جبهة جديدة مع اليمن.

المشكلة ليست في الوصول إلى اليمن.. المشكلة في اليوم الذي يلي الوصول.

لأن الحرب ليست ضربة وتنتهي.

الحرب سلسلة من الردود.

وكل رد يفتح حسابًا جديدًا.

ومن اليمن نصل إلى لبنان وسوريا.

الرسالة التي نُسبت إلى طهران عبر وكالة تسنيم، والتي تحدثت عن تحذير عواصم إقليمية من أي تدخل عسكري سوري في لبنان، تحمل دلالة أكبر من تفاصيل الأرقام نفسها.

فالمضمون، بحسب ما نُشر، أن أي تدخل قد يحول الساحة السورية 900 0029Vb0aotRBlHpllzgDpB2Uتحويلإلى جزء من مواجهة إقليمية، مع تهديد باستهداف أهداف استراتيجية داخل سوريا.

المعنى السياسي هنا واضح:

لا تنظروا إلى الجبهات باعتبارها جزرًا منفصلة.

لبنان ليس وحده.

سوريا ليست وحدها.

اليمن ليس وحده.

العراق ليس وحده.

والبحر الأحمر ليس منفصلًا عن الخليج.

وهذا هو التحول الحقيقي في قواعد الاشتباك.

لم تعد الجبهة خطًا جغرافيًا ضيقًا..

أصبحت شبكة.

تضرب في مكان..

فتفتح حسابًا في مكان آخر.

تضغط على حليف..

فيأتي الرد من ساحة لم تكن في حساباتك الأولى.

وهنا تصبح الحرب الإقليمية أكثر تعقيدًا من قدرة أي غرفة عمليات على رسمها على خريطة.

ثم نصل إلى إسرائيل من الداخل الأمريكي.

عندما يبدأ شخص كان محسوبًا على أشد البيئات دعمًا لإسرائيل في الولايات المتحدة بالحديث عن تقليص أو إنهاء المساعدات الأمريكية الدائمة لإسرائيل، فالمهم ليس فقط مضمون التصريح.

المهم هو التحول في البيئة التي أنتجت التصريح.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نفوذ سياسي ليس أن يهاجمه خصومه..

بل أن يبدأ حلفاؤه في إعادة حساباته.

السؤال داخل أمريكا يتغير تدريجيًا من:

هل ندعم إسرائيل؟

إلى:

كم سندفع؟

ولماذا؟

وإلى متى؟

وهذه ليست أسئلة مالية فقط.

إنها أسئلة عن طبيعة العلاقة نفسها.

وعندما يدخل المال إلى قلب النقاش السياسي، يبدأ النفوذ بإعادة تعريف نفسه.

وهنا نعود إلى الصورة الأولى.

إيران تعيد بناء قدراتها.

اليمن يفرض تكلفة على خصومه.

التحالفات الإقليمية تُختبر تحت النار.

إسرائيل تواجه أسئلة متزايدة حول جدوى الدعم الأمريكي.

وأمريكا نفسها تواجه معضلة الاستمرار في أكثر من ساحة دون استنزاف مخزونها السياسي والعسكري والاقتصادي.

لهذا لا أرى المشهد باعتباره إعلانًا عن انهيار أمريكا.

هذا تبسيط لا يخدم التحليل.

أمريكا ما زالت قوة عسكرية واقتصادية هائلة.

لكن السؤال الأكثر خطورة ليس:

هل تستطيع أمريكا أن تضرب؟

نعم..

تستطيع.

السؤال:

هل تستطيع أن تكرر الضربة، ثم تدير الرد، ثم تتحمل الكلفة، ثم تحافظ على جبهاتها الأخرى، ثم تقنع ناخبها بأن كل هذا يستحق؟

هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

لأن القوة التي تستطيع تدمير خصمها في يوم واحد قد لا تستطيع منعه من إعادة بناء نفسه خلال عام.

والقوة التي تملك أضخم ترسانة في العالم قد تجد نفسها مضطرة إلى إنفاق ملايين الدولارات لاعتراض سلاح أقل كلفة بكثير.

والتحالف الذي يبدو ضخمًا في البيانات قد يصبح أكثر هشاشة عندما يسقط أول صاروخ في الميدان.

والدولة التي تملك أقوى جيش قد تكتشف أن أصعب معركة ليست مع العدو الموجود خارج حدودها..

بل مع فاتورة الحرب داخل اقتصادها ومجتمعها وسياساتها.

وهنا تحديدًا تتغير قواعد اللعبة.

لم يعد الانتصار لمن يضرب أكثر.

بل لمن يستطيع أن يعيد بناء نفسه أسرع.

لم يعد الردع لمن يملك السلاح الأغلى.

بل لمن يستطيع أن يجعل استخدام سلاح الخصم مكلفًا.

لم تعد التحالفات تقاس بعدد الدول الموقعة.

بل بمن يبقى واقفًا عندما يبدأ الاختبار.

وفي هذه المنطقة تحديدًا..

هناك قوى بدأت تتعلم كيف تجعل خصمها يخوض حربًا طويلة مع نفسه.

وهذه ربما أخطر صورة يمكن أن تصل إليها الحرب:

أن تطلق النار على خصمك..

فتكتشف بعد سنوات أن أكثر ما استنزفته لم يكن جيشه..

بل قدرته على الاستمرار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى