هل انتهت الحرب وبقي النزوح؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
إذا كانت الظروف الأمنية قد تبدلت في أجزاء واسعة من سوريا مقارنة بسنوات الحرب الأولى، فمن الطبيعي أن يطرح اللبنانيون سؤالًا مشروعًا: لماذا لا يزال ملف النزوح مفتوحًا من دون خطة وطنية واضحة؟ وهل تحوّل النزوح المؤقت إلى واقع دائم يُفرض على لبنان من دون قرار من الدولة؟
لبنان، الذي يعيش واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه، لم يعد قادرًا على تحمّل أعباء هذا الملف إلى ما لا نهاية. فمسؤولية أي دولة تبدأ بحماية حدودها، وتنظيم وجود الأجانب على أراضيها، وتطبيق قوانينها على الجميع بلا استثناء.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل تمتلك الدولة إحصاءً دقيقًا لكل المقيمين؟ وهل جميعهم موجودون بصورة قانونية؟ وهل تعرف الأجهزة المختصة من يدخل إلى لبنان ومن يغادره؟ وهل تخضع الحدود لرقابة تمنع التسلل والعبور غير الشرعي؟
هذه ليست أسئلة سياسية أو شعبوية، بل هي من صلب مفهوم الأمن القومي. فلا توجد دولة في العالم تتنازل عن حقها في معرفة من يقيم على أرضها، ومن يعمل فيها، ومن يعبر حدودها.
ومن حق اللبنانيين أن يطالبوا الدولة باتخاذ إجراءات واضحة، أبرزها:
* ضبط الحدود وإقفال المعابر غير الشرعية.
* إجراء إحصاء شامل لجميع المقيمين وتدقيق أوضاعهم القانونية.
* تطبيق قوانين العمل ومنع أي عمل يتم خارج الأطر القانونية، بما يحفظ فرص العمل للبنانيين.
* تنفيذ القوانين بحق كل من يقيم أو يعمل بصورة غير قانونية، مع احترام الأصول القانونية والالتزامات الدولية.
* وضع برنامج وطني واضح لتنظيم عودة النازحين بالتنسيق مع الجهات المعنية عندما تتوافر الظروف المناسبة.
وفي ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة ورقابة كاملة على حركة الدخول والخروج، من الطبيعي أن يطرح المواطنون تساؤلات حول المخاطر الأمنية المحتملة. فالدولة مسؤولة عن التحقق من هويات المقيمين وخلفياتهم القانونية، وضمان عدم استغلال أي فراغ أمني من قبل أفراد أو شبكات قد تشكل تهديدًا للأمن الوطني، سواء كانت شبكات إجرامية أو جماعات متطرفة أو أي جهات تعمل خارج إطار القانون.
كما أن استمرار العمالة غير النظامية ينعكس سلبًا على سوق العمل، ويزيد المنافسة على فرص العمل في وقت يعاني فيه آلاف اللبنانيين البطالة والأزمة المعيشية. ومن هنا، فإن حماية اليد العاملة اللبنانية لا تتحقق بالشعارات، بل بتطبيق قانون العمل على الجميع من دون استثناء.
إن حماية لبنان تبدأ من سيادة القانون، لا من الفوضى. والدولة القوية ليست تلك التي تؤجل معالجة الأزمات، بل التي تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرارات، وتفرض احترام حدودها، وتنظم وجود الأجانب على أراضيها، وتطمئن مواطنيها بأن أمنهم وحقوقهم ومصالحهم الوطنية هي الأولوية.
لقد انتهت الحرب في أجزاء واسعة من سوريا، أما في لبنان، فلا يجوز أن يبقى ملف النزوح بلا أفق، ولا أن تتحول إدارة هذا الملف إلى سياسة انتظار مفتوحة. فالدول تُقاس بقدرتها على اتخاذ القرار، لا بالاكتفاء بإدارة الأزمات.