د. مها بسطاوى : طابية كوسا باشا بأبي قير.. الحصن المنسي على خط الدفاع الأول عن الإسكندرية


علي شرق خليج أبي قير، يلتقي البحر بالتاريخ، وتقف بقايا طابية كوسا باشا شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ مصر العسكري. ورغم أن هذا الحصن لا يحظى بالشهرة التي نالتها قلعة قايتباي أو بعض القلاع الساحلية الأخرى، فإنه يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الدفاع التي أقيمت لحماية الإسكندرية وسواحل مصر الشمالية خلال العصر العثماني المتأخر وبدايات عهد محمد علي باشا. وقد لعب موقعه الجغرافي دورًا رئيسيًا في تحديد أهميته العسكرية، حيث كانت منطقة أبي قير تمثل المدخل الشرقي للإسكندرية وأحد أكثر المواقع تعرضًا للتهديدات البحرية عبر القرون.
لم تكن أهمية أبي قير وليدة القرن التاسع عشر، بل تعود جذورها إلى عصور أقدم. فالمنطقة عرفت منذ العصرين اليوناني والروماني باسم كانوب، وكانت ميناءً مهمًا ومركزًا تجاريًا ودينيًا بارزًا، كما ارتبطت بفرع كانوب المندثر من نهر النيل. وقد أكسبها هذا الموقع دورًا استراتيجيًا مستمرًا جعلها مطمعًا للقوى المختلفة التي سعت إلى السيطرة على مصر. ومع مرور الزمن تحول خليج أبي قير إلى ساحة للمعارك البحرية والبرية التي شهدتها البلاد، الأمر الذي فرض ضرورة إنشاء منظومة دفاعية قوية لحماية الساحل.
عندما وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1798، برزت أهمية منطقة أبي قير بوضوح. فقد شهد الخليج واحدة من أشهر المعارك البحرية في التاريخ الحديث، وهي معركة أبي قير البحرية أو معركة النيل، التي انتهت بتدمير الأسطول الفرنسي على يد الأسطول البريطاني بقيادة الأدميرال نيلسون. وبعدها بعام واحد شهدت المنطقة معركة أبي قير البرية بين القوات الفرنسية والقوات العثمانية. وأظهرت هذه الأحداث المتتالية أن حماية هذا الجزء من الساحل المصري لم تعد مسألة محلية، بل قضية تمس أمن مصر بأكملها.
وعندما تولى محمد علي باشا الحكم في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، كان يدرك جيدًا هشاشة الدفاعات الساحلية المصرية. لأن الحملة الفرنسية ثم حملة فريزر البريطانية سنة 1807 كشفوا حجم الضعف الذي أصاب التحصينات القديمة. لذلك شرع محمد علي في تنفيذ برنامج واسع لإعادة بناء الجيش والأسطول وإنشاء شبكة من القلاع والطوابي المنتشرة على امتداد الساحل الشمالي. وفي هذا السياق أعيد بناء طابية كوسا باشا لتصبح جزءًا من هذه المنظومة الدفاعية الجديدة. وتشير الدراسات الأثرية إلى أن البناء القائم حاليًا يعود إلى تلك الفترة، وأنه صُمم وفق الأساليب العسكرية المستخدمة في الدولة العثمانية خلال ذلك العصر.
ويُرجع عدد من الباحثين تسمية الحصن إلى مصطفى كوسا باشا، أحد القادة العثمانيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالأحداث العسكرية التي شهدتها المنطقة أثناء الصراع مع القوات البريطانية. وقد بقي الاسم ملازمًا للطابية حتى بعد إعادة بنائها في عهد محمد علي، فأصبح جزءًا من الذاكرة التاريخية للمكان. ورغم اختلاف التفاصيل المتعلقة بشخصية كوسا باشا في بعض الروايات، فإن التسمية نفسها ظلت ثابتة في السجلات والكتابات التاريخية المتعلقة بالحصن.
أما من الناحية المعمارية، فإن الطابية تمثل نموذجًا مميزًا للتحصينات الساحلية في القرن التاسع عشر. فقد أُقيمت فوق موقع مرتفع نسبيًا يسمح بمراقبة الخليج والمناطق المجاورة. وأحيطت بسور خارجي قوي يفصل بينه وبين التل الرملي المحيط خندق دفاعي واسع، بحيث يشكل عائقًا أمام أي قوة تحاول اقتحام الحصن. كما أقيم مدخل مستقل يؤدي إلى الطابية عبر قنطرة كانت تعبر فوق الخندق، وهو نظام دفاعي اشتهر في كثير من القلاع الحربية خلال تلك الفترة.
وفي داخل الحصن وُجدت مواضع مخصصة للمدافع التي كانت تمثل سلاح الدفاع الرئيسي ضد السفن المعادية. وكانت المهمة الأساسية للطابية مراقبة حركة الملاحة في الخليج وتأمين الجبهة الشرقية للإسكندرية. ولم تكن الطابية تعمل بمفردها، بل كانت جزءًا من شبكة أوسع من التحصينات الساحلية التي تكاملت فيما بينها لتشكيل خط دفاع متصل يحمي المدينة والموانئ المجاورة.
وتزداد أهمية الحصن عند النظر إليه في إطار مشروع محمد علي العسكري الأشمل. فقد أدرك والي مصر أن إنشاء جيش حديث لا يكفي ما لم ترافقه تحصينات قوية تحمي المدن والموانئ. لذلك شهدت الإسكندرية خلال القرن التاسع عشر نشاطًا واسعًا في تشييد القلاع والطوابي وتطوير الأسلحة والمدافع وشبكات المراقبة الساحلية. وكانت طابية كوسا باشا إحدى المنشآت التي تعكس هذا التحول الكبير في الفكر العسكري المصري، إذ انتقلت البلاد من مرحلة الاعتماد على تحصينات قديمة متفرقة إلى منظومة دفاعية أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالمتغيرات العسكرية الحديثة.
ولم يتوقف دور الحصن عند عهد محمد علي فقط، بل تشير الدراسات إلى استمرار استخدامه وتطويره خلال العقود التالية. فقد وُجدت داخله مدافع تعود إلى عصر الخديو إسماعيل، وهو ما يدل على استمرار الاهتمام بالموقع خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما يُعتقد أن الموقع شهد بعض أعمال التحصين أثناء استعدادات أحمد عرابي لمواجهة التدخل البريطاني سنة 1882، عندما أصبحت الإسكندرية مجددًا محورًا للصراع العسكري في مصر.
ومع تطور التكنولوجيا العسكرية وتغير طبيعة الحروب، فقدت الطوابي الساحلية تدريجيًا قيمتها القتالية. فظهور المدفعية بعيدة المدى والسفن الحربية الحديثة جعل كثيرًا من التحصينات التقليدية أقل فاعلية مما كانت عليه في السابق. وبمرور الوقت تحولت طابية كوسا باشا من منشأة عسكرية عاملة إلى أثر تاريخي يروي جانبًا من تاريخ الدفاع عن السواحل المصرية. إلا أن هذا التحول لم يصاحبه دائمًا الاهتمام اللازم بعمليات الصيانة والحفاظ على المبنى.
وفي العقود الأخيرة تعرضت الطابية لمشكلات عديدة، منها الإهمال والتعديات العمرانية التي أثرت في أجزاء من المبنى. ورغم تسجيلها ضمن الآثار الإسلامية المصرية، فإن كثيرًا من عناصرها المعمارية تعرضت للتلف أو التدهور بفعل عوامل الزمن والبيئة الساحلية القاسية. وتمثل هذه الحالة نموذجًا للتحديات التي تواجهها كثير من المنشآت العسكرية التاريخية في مصر، حيث تصبح القيمة الأثرية للموقع عرضة للخطر عندما يغيب الوعي بأهميته التاريخية والحضارية.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لطابية كوسا باشا لا تكمن فقط في جدرانها وأحجارها الباقية، بل في ما تمثله من شهادة على مرحلة مفصلية من تاريخ مصر. فهي ترتبط بالحملة الفرنسية، وحملة فريزر، ومشروع محمد علي العسكري، وتطور التحصينات الساحلية في القرن التاسع عشر. كما أنها تجسد العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والتاريخ، إذ فرض الموقع الاستراتيجي لأبي قير على كل من حكم مصر أن يهتم بهذه البقعة الصغيرة التي كانت عبر العصور بوابة للغزاة وموقعًا للمقاومة في الوقت نفسه.
إن طابية كوسا باشا ليست مجرد أطلال مهجورة على شاطئ أبي قير، بل صفحة كاملة من تاريخ الإسكندرية العسكري. فبين خندقها الدفاعي ومدافعها القديمة وأسوارها المتآكلة تختبئ حكاية مدينة ظلت قرونًا هدفًا للقوى البحرية الكبرى، وحكاية دولة حاولت أن تؤمن حدودها وتحصن سواحلها في زمن كانت السيطرة على البحر تعني السيطرة على المصير. ولهذا السبب تستحق الطابية أن تُدرس بوصفها عنصرًا مهمًا من تراث مصر العسكري، لا باعتبارها أثرًا محليًا فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على مرحلة من مراحل تشكل الدولة المصرية الحديثة والدفاع عن سواحلها في مواجهة التحديات الخارجية.