لبنان… الحلقة التي قد تعيد إشعال الحرب

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

ما جرى خلال الساعات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات، بل رسالة واضحة بأن الحرب لم تُغلق أبوابها، وأن الهدوء الذي ساد لفترة لم يكن نهاية للصراع، بل هدنة قابلة للانفجار في أي لحظة.

الولايات المتحدة ضربت مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني، بينها منظومات دفاع جوي ورادارات ومنشآت بحرية وقدرات مرتبطة بالألغام والاتصالات، فيما ردّت إيران باستهداف مواقع وقواعد مرتبطة بالقوات الأميركية في المنطقة، بينها الأردن والعراق والبحرين. وهذا يعني أن المواجهة بدأت تتجاوز الأراضي الإيرانية إلى شبكة الانتشار الأميركي في الشرق الأوسط.

لكن السؤال الذي يجب أن يعني اللبنانيين تحديداً هو: أين يقع لبنان من هذه المعادلة؟

لبنان ليس طرفاً في الحرب الأميركية ـ الإيرانية، والدولة اللبنانية لا تملك قرار الدخول فيها. لكن لبنان ليس خارجها أيضاً، لأن حزب الله جزء من المعادلة الإيرانية الإقليمية، وفي الوقت نفسه توجد مواجهة مستمرة بينه وبين إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية وعلى الحدود.

وهنا تكمن الخطورة، فأي تصعيد كبير بين واشنطن وطهران يمكن أن ينعكس على حسابات حزب الله، وأي تحرك عسكري من الحزب ضد إسرائيل قد يدفع إسرائيل إلى توسيع عملياتها في لبنان. وهذا ليس افتراضاً نظرياً؛ فالحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية التي اندلعت في آذار 2026 جاءت أصلاً في سياق الحرب الأوسع المرتبطة بإيران، ثم جرى التوصل إلى إطار لوقف الأعمال العدائية، لكنه بقي هشاً وغير مكتمل.

والأخطر أن الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي نفسه لم يُحسم نهائياً. إسرائيل ما زالت موجودة في أجزاء من الجنوب، فيما يرفض حزب الله صيغة الاتفاق الحالية ما لم تتضمن انسحاباً إسرائيلياً، بينما تحاول الدولة اللبنانية تثبيت الاتفاق وتنفيذه عبر المسار السياسي والدبلوماسي.

لذلك، فإن لبنان اليوم يعيش بين نارين، نار المواجهة الإقليمية، ونار الحسابات الإسرائيلية ـ اللبنانية.
ولا يعني ذلك أن الحرب ستنتقل حتماً إلى لبنان غداً. بل على العكس، مصلحة جميع الأطراف، بما فيها إيران، في هذه المرحلة قد تكون في تجنب فتح جبهة لبنانية واسعة إذا لم تكن ضرورية.

لكن المشكلة أن الحروب لا تبدأ دائماً بقرار واضح.
وًًًًًًًًًًًًًًًقد تبدأ بصاروخ، أو ضربة إسرائيلية، أو عملية محدودة، أو سوء تقدير، ثم يرد طرف، فيرد الآخر، وفجأة تصبح الجبهة التي أراد الجميع إبقاءها تحت السيطرة هي الجبهة الأكثر اشتعالاً.

وهنا يجب أن نتوقف عند حقيقة سياسية مؤلمة:

لبنان لا يملك ترف أن يكون ساحة اختبار جديدة.

فالشعب اللبناني دفع ثمناً هائلاً في السنوات الماضية، والدولة ما زالت تحاول استعادة قرارها وسيادتها وقدرتها على حماية أراضيها. وأي تحويل للبنان إلى ورقة في صراع أكبر منه سيعيد البلد إلى الدائرة نفسها: حرب، نزوح، تدمير، ثم مفاوضات على أنقاض ما بقي.
لذلك، لا أرى أن السؤال الصحيح هو «هل ستدخل إيران حرباً أكبر؟»
والسؤال الأهم للبنان هو، هل يستطيع لبنان أن يمنع الآخرين من تحويل أرضه إلى جبهة عندما تتسع المواجهة؟
هذه هي المعركة الحقيقية للدولة اللبنانية.

ليس مطلوباً من لبنان أن يكون مع إيران ضد أميركا، ولا مع أميركا ضد إيران، ولا أن يتحول إلى ساحة مواجهة مع إسرائيل. المطلوب أن يكون مع لبنان أولاً.
فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلام تبقى رهينة لقرارات الآخرين، حتى لو رفعت أجمل الشعارات عن السيادة.
وما يجري الآن يجب أن يكون إنذاراً مبكراً لا دعوة إلى الخوف.

إذا اتسعت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، فإن أول ما يجب أن يبحث عنه اللبنانيون ليس «من سينتصر؟»، بل من سيدفع الثمن؟
والتاريخ اللبناني يملك جواباً مؤلماً عن هذا السؤال فغالباً، الذين يدفعون الثمن ليسوا من يشعلون الحروب… بل الناس الذين يعيشون تحتها.

ولهذا، فإن حماية لبنان اليوم لا تكون بالخطابات ولا بالمراهنات على انتصار محور على آخر، بل بمنع تحويل لبنان مرة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات لا يملك اللبنانيون قرار بدايتها ولا قرار نهايتها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى