تحالفات الشرق الأوسط أمام مفترق طرق قد يعيد تشكيل موازين القوى لسنوات قادمة

بقلم : على خليل
“ما يُقال أمام الكاميرات شيء… وما يُصنع خلف الأبواب المغلقة شيء آخر.”
قراءة المشهد بدقة استراتيجية بعيدًا عن التصريحات الإعلامية، فأنا أرى أن هناك ثلاث حقائق تحكم الموقف الآن:
لا تخدعك التصريحات النارية ولا الوعود المتفائلة… فما يجرى فى الشرق الأوسط اليوم ليس حربًا شاملة، وليس سلامًا وشيكًا، وإنما إعادة توزيع للأوراق بين القوى الكبرى والإقليمية. الجميع يفاوض، والجميع يضغط، والجميع يستعد لكل الاحتمالات. ولذلك فإن قراءة المشهد لم تعد تعتمد على ما يقال أمام الكاميرات، بل على ما يُدار خلف الأبواب المغلقة. ومن هنا تبدأ محاولة فهم السؤال الأخطر: إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ وهل نحن أمام تسوية تاريخية… أم مجرد هدنة تسبق جولة جديدة من الصراع؟
أولًا: لا يوجد خلاف أمريكى – إسرائيلى على الهدف… بل على التوقيت.
دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يتفقان على منع إيران من امتلاك سلاح نووى وتعزيز أمن إسرائيل، لكنهما يختلفان فى الوسيلة.
- ترامب يفضل أن يحقق ذلك باتفاق يمنحه إنجازًا سياسيًا ودبلوماسيًا.
- نتنياهو يخشى أن يمنح أى اتفاق إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها، ولذلك يطالب بضمانات أشد.
ثانيًا: إيران لا تفاوض لأنها ضعيفة… بل لأنها تريد تثبيت مكاسبها.
بعد المواجهات الأخيرة، تحاول إيران أن تخرج باتفاق يضمن ثلاثة أمور:
- عدم السعى إلى تغيير النظام.
- تخفيف العقوبات.
- الاعتراف بدورها الإقليمى.
ولذلك ترفض تقديم تنازلات مجانية، وتستخدم التفاوض لكسب الوقت وتحسين شروطها. كما أنها نفت وجود اتفاق نهائى رغم تصريحات ترامب المتفائلة.
ثالثًا: مغازلة الخليج لإيران ليست تحولًا فى التحالفات.
هذه نقطة يخطئ كثيرون فى فهمها.
دول الخليج لا تنتقل من المعسكر الأمريكى إلى الإيرانى.
بل تطبق سياسة جديدة اسمها:
“خفض المخاطر.”
أى أنها تريد:
- استمرار الشراكة الأمنية مع واشنطن.
- وفى الوقت نفسه منع أى حرب جديدة تدمر الاقتصاد والإقليم.
لذلك فالحوار مع طهران هدفه إدارة التوتر، وليس تغيير التحالفات.
ماذا سيحدث خلال الأسابيع القادمة؟
أرى أن الاحتمالات كالتالى:
60٪ استمرار المفاوضات مع أزمات وتصعيد محدود، لأن الجميع يريد تحسين شروطه دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
30٪ اتفاق مرحلى، وليس اتفاقًا نهائيًا، يشمل ترتيبات مؤقتة بشأن التهدئة وبعض الملفات النووية أو الأمنية، مع بقاء القضايا الكبرى معلقة.
10٪ انهيار المسار بالكامل إذا وقع حدث عسكرى كبير يفرض واقعًا جديدًا.
ما الذى يقلقنى أكثر؟
ليس الملف النووى نفسه.
بل احتمال أن يستخدم كل طرف الوكلاء الإقليميين للضغط على الطرف الآخر دون إعلان حرب مباشرة، لأن هذا يطيل أمد الأزمة ويجعل المنطقة فى حالة توتر مزمن.
وماذا عن مصر؟
إذا استمر هذا المسار، فإن مصلحة مصر الأساسية هى:
- بقاء الملاحة آمنة فى الممرات البحرية.
- تجنب حرب إقليمية واسعة.
- منع أى اضطراب جديد فى أسعار الطاقة أو سلاسل الإمداد.
- الحفاظ على دورها كطرف إقليمى قادر على التواصل مع مختلف الأطراف.
وأختم بملاحظة تحليلية أراها مهمة:
المشهد الحالى لا يشبه مرحلة ما قبل الحروب الكبرى، بل يشبه ما يسميه خبراء العلاقات الدولية “التفاوض تحت الضغط”؛ فكل طرف يرفع سقف تصريحاته أمام الإعلام، بينما يترك باب التفاوض مواربًا خلف الكواليس. ولهذا فإن التصريحات المتشددة وحدها لا تكفى للحكم على أن الاتفاق انتهى، كما أن التصريحات المتفائلة لا تعنى بالضرورة أن الاتفاق أصبح قريبًا. المؤشر الحقيقى سيكون فى ما إذا استمرت قنوات الاتصال والوساطة خلال الأيام المقبلة أم لا.
إذا نظرنا إلى لبنان وحزب الله بمعزل عن الضجيج الإعلامى، فإننا أمام تحول تاريخى قد يكون الأكبر منذ تأسيس الحزب فى الثمانينيات.
هناك أربع حقائق رئيسية:
- الدولة اللبنانية تحاول استعادة احتكار السلاح. الإطار الذى تم التوصل إليه بوساطة أمريكية ينص على أن يتولى الجيش اللبناني نزع سلاح حزب الله تدريجيًا فى مناطق محددة، مع ربط الانسحاب الإسرائيلى الكامل من الجنوب بإتمام هذه العملية.
- حزب الله يرفض الاتفاق بصيغته الحالية. الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، وصف الاتفاق بأنه “استسلام”، ويرفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ما يعنى أن الحزب لا يرى أن الظروف الحالية تسمح له بالتخلى عن سلاحه أو تغيير دوره بهذه السرعة.
- إسرائيل لا تثق فى التنفيذ. لذلك تربط أى انسحاب كامل من جنوب لبنان بتأكدها من تراجع القدرات العسكرية لحزب الله وعدم عودته إلى المنطقة الحدودية.
- المجتمع الدولى يريد تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية. هناك تحركات أوروبية وأمريكية لدعم وتدريب الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية، بهدف أن تصبح الدولة هى المرجعية الأمنية الأساسية.
ما الذى سيحدث لحزب الله؟
فى تقديرى، نحن أمام ثلاثة احتمالات:
- الاحتمال الأول (وهو الأقرب): يتحول الحزب تدريجيًا إلى قوة سياسية واجتماعية أكثر من كونه قوة عسكرية، مع احتفاظه ببعض القدرات خلال مرحلة انتقالية طويلة. هذا السيناريو يتطلب تفاهمات داخلية وإقليمية معقدة.
- الاحتمال الثانى: يرفض الحزب أى مسار لنزع السلاح، فتستمر حالة “اللا حرب واللا سلم”، مع بقاء الاشتباكات المحدودة والتوتر المزمن.
- الاحتمال الثالث: إذا انهار المسار السياسى بالكامل، فقد يعود التصعيد العسكرى، وهو سيناريو يحمل كلفة كبيرة على لبنان وإسرائيل والمنطقة.
أين إيران فى هذه المعادلة؟
إيران تنظر إلى حزب الله بوصفه أحد أهم أوراق نفوذها الإقليمية. لذلك فإن أى تغيير جذرى فى وضع الحزب ستكون له انعكاسات على حساباتها، لكنها فى الوقت نفسه قد توازن بين الحفاظ على نفوذها وبين تجنب مواجهة إقليمية أوسع إذا رأت أن ذلك يخدم مصالحها الاستراتيجية.
خلاصة المشهد
أعتقد أننا نشهد نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، لكن ليس نهاية حزب الله بالضرورة.
السؤال لم يعد: هل سيبقى حزب الله؟
بل أصبح:
بأى دور سيبقى؟
هل يبقى تنظيمًا عسكريًا كما كان طوال العقود الماضية، أم يتحول تدريجيًا إلى فاعل سياسى داخل الدولة اللبنانية بينما تستعيد الدولة احتكار السلاح؟
الإجابة لن تتحدد بتصريح واحد أو اتفاق واحد، بل بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها، وبمدى التزام الأطراف المختلفة بتنفيذ الترتيبات الأمنية، وبالتوازنات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأشهر المقبلة.