هرمز انفتح… ولبنان يشتعل: هدنة الـ60 يوم بين واشنطن وطهران تحت اختبار المعارضة الإسرائيلية

اتفاق خفّف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران..

لكنه أشعل صراعًا سياسيًا داخل إسرائيل

قد يكون العامل الحاسم في مستقبل المنطقة.

لم يكد الاتفاق الذي دخل حيّز التنفيذ في 17 يونيو 2026 بين الولايات المتحدة وإيران يعلن وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، حتى بدأت تظهر معركة من نوع آخر.

فبينما استعادت ناقلات النفط حركتها تدريجيًا في الخليج، بقيت جبهتا جنوب لبنان والداخل الإسرائيلي مفتوحتين على احتمالات التصعيد، وسط رفض إسرائيلي واضح لعدد من بنود الاتفاق، وانقسام سياسي حاد داخل تل أبيب، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر المقبل.

وبذلك، تبدو المنطقة أمام هدنة سياسية مؤقتة لا تزال تفتقر إلى الضمانات العسكرية، فيما يتحول العد التنازلي لمدة ستين يومًا إلى مرحلة فاصلة ستحدد ما إذا كان الاتفاق سيصمد أم سينهار.

أولًا: هرمز عاد للعمل… لكن الثقة لم تعد

حقق الاتفاق أول نتائجه بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، وعودة عدد من ناقلات النفط لعبور المضيق، وهو ما انعكس سريعًا على أسعار النفط العالمية التي سجلت تراجعًا ملحوظًا.

غير أن هذا الانفراج يبقى هشًا، إذ لا تزال شركات الشحن والتأمين الكبرى تتعامل بحذر شديد، لعدة أسباب أبرزها:

  • استمرار ارتفاع تكاليف التأمين البحري.
  • عدم إزالة جميع الألغام البحرية.
  • احتفاظ إيران بمنظوماتها الصاروخية والطائرات المسيّرة المنتشرة بالقرب من المضيق.
  • غياب آلية رقابة واضحة تضمن استمرار حرية الملاحة.

لذلك، فإن المضيق عاد إلى العمل اقتصاديًا، لكنه لم يستعد بعد استقراره الأمني.

ثانيًا: لبنان… الجبهة الأكثر قابلية للاشتعال

ينص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية واحترام سيادة لبنان، وهو ما تعتبره طهران التزامًا بانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني.

إلا أن التطورات الميدانية جاءت بعكس ذلك.

فالجيش الإسرائيلي أعلن استمراره في الاحتفاظ بما يسميه “المناطق الأمنية”، كما واصل تنفيذ عمليات عسكرية محدودة داخل الجنوب، في حين رد حزب الله بإطلاق صواريخ ومسيرات على مواقع إسرائيلية.

ورغم انخفاض مستوى الاشتباكات مقارنة بالأيام السابقة، فإن المواجهة لم تتوقف فعليًا، ما يجعل الجنوب اللبناني أكثر النقاط تهديدًا لاستمرار الاتفاق.

ثالثًا: المعارضة الإسرائيلية… الجبهة الأخطر أمام نتنياهو

إذا كان الاتفاق قد خفف التوتر مع إيران، فإنه في المقابل فتح معركة سياسية داخل إسرائيل قد تكون أشد خطورة على رئيس الوزراء الإسرائيلي.

فالحكومة الحالية لم تكن طرفًا مباشرًا في الاتفاق، وهو ما منح المعارضة فرصة لاتهام بنيامين نتنياهو بفقدان السيطرة على مسار الحرب والقرار السياسي.

وترى المعارضة أن الحكومة فشلت في تحقيق الأهداف التي أعلنتها منذ بداية الحرب، وأن الاتفاق جاء نتيجة ضغوط أمريكية أكثر منه إنجازًا إسرائيليًا.

لابيد: الحكومة خسرت الحرب سياسيًا

زعيم المعارضة يائير لابيد اعتبر أن الاتفاق يمثل اعترافًا بفشل الحكومة.

ويرى لابيد أن إسرائيل لم تحقق القضاء على حزب الله، ولم تمنع إيران من الاحتفاظ بنفوذها الإقليمي، كما أن واشنطن تفاوضت مباشرة مع طهران دون مشاركة إسرائيل في صياغة الاتفاق.

وبحسب المعارضة، فإن ما حدث يضعف صورة الردع الإسرائيلي أكثر مما يعززها.بينيت… منافسة مبكرة على رئاسة الحكومة

أما رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت فقد وصف الاتفاق بأنه تحول استراتيجي خطير يمنح إيران مكاسب سياسية وعسكرية دون تقديم تنازلات حقيقية.

ويحاول بينيت تقديم نفسه بوصفه البديل القادر على إدارة المرحلة المقبلة، في ظل تراجع شعبية نتنياهو واستمرار الجدل حول نتائج الحرب.

ومع اقتراب الانتخابات، تتنافس قوى المعارضة على تشكيل جبهة موحدة تحت شعار إسقاط حكومة نتنياهو.

الاحتجاجات لم تتوقف

رغم انشغال إسرائيل بالجبهات العسكرية، لا تزال الاحتجاجات الشعبية مستمرة في تل أبيب وعدد من المدن.

وتتهم المعارضة الحكومة باستخدام الحرب لتأجيل المحاسبة السياسية، بينما يواصل آلاف الإسرائيليين المطالبة بإجراء تحقيقات كاملة بشأن إخفاقات السابع من أكتوبر، معتبرين أن استمرار الحرب لم ينجح في استعادة الردع أو تحقيق الأمن.

رابعًا: لماذا تتمسك حكومة نتنياهو بجنوب لبنان؟

يرى مراقبون أن رفض الانسحاب من الجنوب اللبناني لا يرتبط فقط بالاعتبارات العسكرية، بل أيضًا بالحسابات الانتخابية.

فالانسحاب الآن قد يُفسَّر داخل إسرائيل باعتباره تراجعًا أمام حزب الله وإيران، وهو ما قد تستغله المعارضة لإثبات فشل الحكومة.

لذلك تسعى حكومة نتنياهو إلى فرض أمر واقع ميداني يمنحها ورقة تفاوض أقوى، أو على الأقل يجنّبها اتهامات التراجع قبل الانتخابات.

خامسًا: مهلة الستين يومًا… اختبار للجميع

تمثل مهلة الستين يومًا الواردة في الاتفاق فترة حاسمة لإثبات جدواه.

وخلال هذه الفترة ستكون جميع الأطراف تحت الاختبار:

  • إيران تسعى لتثبيت مكاسبها الاقتصادية واستمرار تصدير النفط مع الاحتفاظ بأوراق الضغط الإقليمية.
  • الولايات المتحدة تحاول منع انهيار الاتفاق والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة.
  • إسرائيل تواجه معركة داخلية لا تقل صعوبة عن المواجهة العسكرية.
  • حزب الله يراقب تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها قبل اتخاذ أي خطوات سياسية أو عسكرية جديدة.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول… نجاح الاتفاق

يتضمن انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا من جنوب لبنان، واستمرار فتح مضيق هرمز، والدخول في مفاوضات أوسع بشأن الملفات الأمنية والنووية.

ويُعد هذا السيناريو الأقل احتمالًا في ظل المواقف الحالية.

السيناريو الثاني… هدنة هشة

وهو السيناريو الأقرب للواقع.

تستمر الملاحة في هرمز بصورة طبيعية نسبيًا، بينما تبقى الاشتباكات المحدودة في جنوب لبنان دون تحول إلى حرب شاملة، مع تمديد المفاوضات السياسية بعد انتهاء مهلة الستين يومًا.

السيناريو الثالث… انهيار الاتفاق

قد يؤدي أي تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان، أو أي تحرك إيراني يهدد الملاحة في هرمز، إلى انهيار الاتفاق بالكامل وعودة المواجهة العسكرية، خصوصًا مع احتدام المنافسة الانتخابية داخل إسرائيل.


نستخلص الاتى: 

لم ينهِ الاتفاق بين واشنطن وطهران الأزمة، بل أعاد توزيعها على جبهات مختلفة.

فهرمز عاد للعمل، لكن الثقة لم تعد. ولبنان يعيش هدنة قابلة للانفجار في أي لحظة. أما داخل إسرائيل، فقد أصبحت المعارضة هي اللاعب الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاتفاق، بعدما حولت التهدئة إلى ملف انتخابي يهدد بقاء حكومة بنيامين نتنياهو.

ولهذا، فإن الأسابيع الستة المقبلة لن تحدد فقط مصير الهدنة بين واشنطن وطهران، بل قد ترسم أيضًا ملامح الخريطة السياسية الجديدة في إسرائيل، وتحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية طويلة الأمد أم إلى جولة جديدة من المواجهة الإقليمية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى