هل يكون الشرق الأوسط الجديد تحت حكم اليهود والشيعة ؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
منذ أن بدأت ملامح التفاهم الأمريكي – الإيراني بالظهور إلى العلن، عاد سؤال قديم ليتردد بقوة في الأوساط السياسية والإعلامية: هل نحن أمام شرق أوسط جديد يكون فيه النفوذ السياسي والأمني مقسوماً إلى حد كبير بين إيران وإسرائيل، بينما يدفع أهل السنّة ثمن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة؟
السؤال قد يبدو صادماً للبعض، لكنه مطروح بجدية لدى كثير من المراقبين، خاصة بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات التي أعادت رسم خرائط النفوذ والتأثير.
فإيران، رغم العقوبات والحصار والحروب والضربات العسكرية التي تعرضت لها، لم تنهَر ولم تستسلم. بل جلست إلى طاولة التفاوض بوصفها طرفاً لا يمكن تجاهله. والولايات المتحدة، التي كانت تتحدث سابقاً عن تغيير النظام، أصبحت تبحث عن تفاهمات وضمانات ومصالح متبادلة.
وفي المقابل، استطاعت إسرائيل أن تفرض نفسها لاعباً أساسياً في أي معادلة أمنية أو سياسية تخص المنطقة، مستفيدة من تفوقها العسكري ومن شبكة تحالفاتها الدولية الواسعة.
من هنا بدأ البعض يتحدث عن احتمال ولادة نظام إقليمي جديد يقوم على تفاهم غير مباشر بين القوتين الأكثر حضوراً وتأثيراً: إيران وإسرائيل، برعاية أمريكية، فيما تجد الدول العربية نفسها أمام مرحلة إعادة تموضع صعبة ومعقدة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن نتائج أي اتفاق واسع قد تؤدي عملياً إلى تقاسم النفوذ في المنطقة بين القوى المرتبطة بإيران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، بما يجعل الحكم أو التأثير الفعلي في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط موزعاً بين الشيعة واليهود بصورة غير مباشرة.
لكن هل يعني ذلك أن الحكم سيكون للشيعة واليهود؟
في الحقيقة، السياسة الدولية لا تُدار بهذه البساطة. فالدول لا تحكم باسم المذاهب، بل باسم المصالح. وإيران نفسها لا تتحرك فقط بوصفها دولة شيعية، بل بوصفها دولة تسعى إلى توسيع نفوذها وحماية أمنها القومي. وإسرائيل لا تتحرك لأنها دولة يهودية فقط، بل لأنها دولة تبحث عن تثبيت تفوقها الاستراتيجي في المنطقة.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن جزءاً كبيراً من البيئة السنية في المنطقة يشعر اليوم بأنه الخاسر الأكبر من الحروب التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين. فمن العراق إلى سوريا، ومن غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى غيرها، دفعت الشعوب العربية أثماناً باهظة من الدم والاقتصاد والاستقرار.
المشكلة الحقيقية ليست في كون الرابح شيعياً أو يهودياً أو سنياً، بل في كون الشعوب العربية ما زالت خارج دائرة القرار الفعلي. فحين تغيب الدولة القوية، والمؤسسات الفاعلة، والرؤية الاقتصادية والتنموية، يصبح المجتمع كله عرضة لأن يكون ساحة لصراعات الآخرين.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: من سيحكم الشرق الأوسط؟
بل هل ستتمكن شعوب الشرق الأوسط من أن تحكم نفسها بنفسها بعد عقود طويلة من الحروب والوصايات والصراعات؟
عندها فقط يصبح الانتماء الوطني أقوى من الانتماء المذهبي، وتصبح مصلحة المواطن أهم من حسابات المحاور.
أما إذا بقيت المنطقة أسيرة الانقسامات المذهبية، فإن الجميع سيدفع الثمن، سنةً وشيعةً ومسيحيين ودروزاً، لأن الخراب لا يميز بين مذهب وآخر، كما أن السلام الحقيقي لا يُبنى على انتصار طائفة، بل على استقرار الأوطان.
وإذا كانت هذه التحولات الإقليمية ستنعكس حتماً على لبنان، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه عاجلاً أم آجلاً هو: ماذا سيكون موقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد؟
فإذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو معادلات جديدة وتسويات كبرى، فهل سيكون التحدّي المقبل في لبنان مصير السلاح، أم بناء دولةٍ قويةٍ قادرةٍ على حماية الوطن وصون سيادته والدفاع عن شعبه؟
ذلك أن المشكلة الحقيقية قد لا تكون في السلاح بحدّ ذاته، بل في غياب الدولة القادرة على أن تكون المرجعية الجامعة والحامية لجميع أبنائها.
فهل سيدور النقاش اللبناني المقبل حول مصير السلاح، أم حول كيفية بناء دولةٍ تجعل الحاجة إلى السلاح موضع إجماع وطني لا موضع انقسام؟