جريمة داعش التي صنعت واقعًا سياسيًا جديدًا بعد مقتل 1700 ضحية.. كيف تغيّر العراق إلى الأبد؟

بقلم : على خليل

*******

سبايكر.. من مجزرة داعش إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في العراق

لم تكن مجزرة سبايكر مجرد واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، بل تحولت إلى لحظة فارقة أعادت تشكيل المشهد العراقي بأكمله. فمن بين دماء نحو 1700 مجند عراقي، وُلدت معادلات جديدة للقوة، وتصاعد دور الفصائل المسلحة، وتعزز النفوذ الإيراني، وعادت الولايات المتحدة إلى قلب المشهد الأمني العراقي، ليجد العراق نفسه أمام واقع مختلف تمامًا عما كان عليه قبل صيف 2014.

في الثاني عشر من يونيو 2014، وبينما كانت البلاد تعيش صدمة سقوط الموصل، خرج آلاف المجندين الشباب من قاعدة سبايكر الجوية قرب تكريت بعد انهيار خطوط الدفاع وتضارب الأوامر. بعضهم ظن أنه في طريقه إلى النجاة، لكنهم وقعوا في قبضة تنظيم داعش الذي نفذ واحدة من أكبر عمليات الإعدام الجماعي في تاريخ العراق الحديث.

لم تكن الجريمة مجرد استعراض للوحشية، بل كانت إعلانًا صريحًا عن انهيار الدولة العراقية. جيش أنفقت عليه مليارات الدولارات تراجع أمام بضعة آلاف من مقاتلي التنظيم، ومؤسسات أمنية بدت عاجزة عن حماية جنودها أو حتى معرفة مصيرهم.

الصدمة التي أحدثتها سبايكر تجاوزت حدود المأساة الإنسانية. فقد تحولت صور الضحايا إلى وقود نفسي وسياسي أعاد تعبئة المجتمع العراقي. وبعد أيام قليلة، صدرت فتوى “الجهاد الكفائي” من المرجعية الدينية في النجف، فتدفق عشرات الآلاف من المتطوعين لحمل السلاح دفاعًا عن البلاد.

هنا برزت إيران باعتبارها اللاعب الإقليمي الأكثر استعدادًا للتحرك. كانت طهران تمتلك بالفعل علاقات ممتدة مع عدد من الفصائل العراقية منذ سنوات ما بعد عام 2003، لكنها وجدت في انهيار المؤسسة العسكرية العراقية فرصة لتعزيز حضورها بصورة غير مسبوقة.

قدمت إيران السلاح والتدريب والخبرات العسكرية، وظهر قادة عسكريون إيرانيون في ساحات القتال العراقية، فيما اكتسبت الفصائل المسلحة المقربة منها شرعية شعبية بوصفها قوة أنقذت بغداد والمدن المقدسة من مصير مجهول.

ومع مرور الوقت، لم يعد نفوذ تلك الفصائل مقتصرًا على الميدان العسكري. فقد دخلت الحياة السياسية عبر الانتخابات والتحالفات البرلمانية، وأصبحت جزءًا من معادلة الحكم وصناعة القرار، ما منح إيران عمقًا سياسيًا داخل العراق يتجاوز حدود الدعم الأمني التقليدي.

في المقابل، لم تقف الولايات المتحدة بعيدة عن المشهد. فبعد سنوات من الانسحاب العسكري، اضطرت واشنطن إلى العودة عبر التحالف الدولي ضد داعش، لتبدأ مرحلة جديدة من التنافس غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران على الأرض العراقية.

وهكذا، تحول العراق إلى ساحة توازن دقيقة بين قوتين كبيرتين؛ طهران التي عززت حضورها عبر الحلفاء المحليين، وواشنطن التي استعادت نفوذها من بوابة الحرب على الإرهاب.

لكن هل كانت سبايكر وحدها مسؤولة عن هذا التحول؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا.

فالمجزرة كانت الشرارة الأكثر تأثيرًا، لكنها جاءت في سياق أوسع ضم سقوط الموصل، وتراكم الانقسامات السياسية والطائفية، وضعف مؤسسات الدولة، والفراغ الأمني الذي استغله تنظيم داعش للتمدد بسرعة مذهلة.

ولا يزال الجدل قائمًا حتى اليوم. فهناك من يرى أن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران لعبت دورًا حاسمًا في إنقاذ العراق ومنعت سقوط العاصمة بغداد، بينما يعتبر آخرون أن المأساة استُخدمت لتكريس واقع سياسي وعسكري جديد منح تلك الفصائل نفوذًا يتجاوز حدود الضرورة الأمنية.

وبين هذين الرأيين، تبقى الحقيقة الثابتة أن سبايكر لم تكن مجرد صفحة دامية في سجل داعش، بل كانت نقطة تحول أعادت رسم خرائط النفوذ داخل العراق، وغيرت موازين القوى في المنطقة بأسرها.

بعد أكثر من عقد على المجزرة، ما زالت أمهات الضحايا يبحثن عن إجابات كاملة: كيف تُرك أبناؤهن بلا حماية؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟ وهل كان بالإمكان تجنب الكارثة؟

ربما لن يجد العراق إجابات نهائية لكل تلك الأسئلة، لكن المؤكد أن تاريخه قبل سبايكر ليس كما بعدها؛ فهناك لحظات تصنعها السياسة، وأخرى يصنعها الدم… وكانت سبايكر واحدة من اللحظات التي صنعت الاثنين معًا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى