لماذا يُهمَّش الأزهر وتُغزَى الشاشات بعروض الزواج الأجنبي؟.. إلى أين يُراد للأسرة العربية أن تصل؟

هوجة نسوانية.. وزواج على المقاس الأجنبي!

بقلم : على خليل
الأمم لا تنهار فقط بالحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تنهار حين تفقد توازنها القيمي والأسري
في السنوات الأخيرة لم تعد المعركة تدور فقط حول السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى أخطر ما تملكه المجتمعات من ركائز: الأسرة.
فكلما طُرح مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية أو الأسرة، ظهرت موجات من المطالبات التي ترفع شعارات حقوق المرأة وتمكينها، وهي شعارات لا خلاف على مشروعيتها في إطار العدل والإنصاف، لكن الخلاف يبدأ عندما تتحول بعض هذه المطالب إلى محاولة لتجاوز الأحكام الشرعية المستقرة أو إعادة صياغة العلاقة الأسرية وفق رؤى مستوردة من بيئات وثقافات تختلف جذريًا عن مجتمعاتنا.
وقد أثار مشروع قانون الأسرة الجديد جدلًا واسعًا بعدما أشار عدد من المتابعين والباحثين إلى أن بعض مواده تتعارض مع اجتهادات فقهية مستقرة، أو تثير تساؤلات شرعية وقانونية تحتاج إلى حوار مجتمعي أوسع.
واللافت للنظر أن الجدل لم يتوقف عند مضمون بعض المواد، بل امتد إلى التساؤل حول سبب عدم عرض المشروع بصورة كافية على المؤسسات الدينية المختصة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، قبل المضي في مناقشته وإرساله إلى الجهات التشريعية.
وهنا يطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا: إذا كان الأزهر هو المرجعية الدينية الأكبر في العالم السني، فلماذا لا يكون حاضرًا بقوة في كل تشريع يمس أحكام الأسرة والزواج والطلاق والنفقة والحضانة؟ ولماذا يشعر البعض أن رأيه يأتي متأخرًا في قضايا تمس صميم الشريعة؟
الأسرة بين الرؤية الإسلامية والنموذج الغربي
المشكلة الحقيقية لا تكمن في تعديل قانون أو تطوير إجراء، بل في الفلسفة التي تقف خلف بعض الطروحات الحديثة.
ففي الغرب شهدت الأسرة خلال العقود الماضية تغيرات عميقة أدت إلى ارتفاع معدلات الطلاق، وتراجع معدلات الزواج، وانتشار أنماط معيشية جديدة لم تكن معروفة من قبل.
ويرى كثير من المحافظين أن بعض النخب العربية تحاول استنساخ هذه التجارب دون النظر إلى نتائجها الاجتماعية والثقافية.
فهل المطلوب إصلاح الأسرة أم إعادة تشكيلها بالكامل؟
وهل يصبح الرجل والمرأة طرفين متصارعين داخل مؤسسة يفترض أنها قائمة على التكامل والمودة والرحمة؟
لماذا تُستشار الكنيسة ويُتجاوز الأزهر؟
ومن أكثر النقاط التي أثارت علامات الاستفهام لدى قطاع واسع من الرأي العام أن الدولة، عندما يتعلق الأمر بقوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالمسيحيين، تحرص على عرضها ومناقشتها مع الكنائس المختلفة باعتبارها المرجعية الدينية لأتباعها، بل إن رأي الكنيسة يكون حاضرًا بصورة مباشرة في صياغة التشريعات المنظمة لشؤون الأسرة والزواج والطلاق للمسيحيين.
أما عندما يتعلق الأمر بقانون يمس ملايين المسلمين ويتناول قضايا ترتبط بأحكام شرعية واضحة، فإن الجدل يثور حول حجم مشاركة الأزهر الشريف ودوره في المراجعة المسبقة لبعض المواد المثيرة للخلاف.
وهنا يطرح كثيرون سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا كانت الدولة تعترف بحق الكنيسة في إبداء الرأي في التشريعات المرتبطة بالعقيدة المسيحية، فلماذا يتحفظ البعض على منح الأزهر الدور نفسه في القضايا التي تمس الأحكام الشرعية للمسلمين؟
إن القضية هنا ليست صراعًا بين مؤسسات الدولة، بل تتعلق بمبدأ الاتساق التشريعي واحترام المرجعيات الدينية التي نص عليها الدستور ذاته.
ظاهرة الزواج من أجنبيات.. صدفة أم ظاهرة تستحق التوقف؟
ومن اللافت أن انتشار إعلانات وعروض الزواج من أجنبيات عبر مواقع التواصل ومنصات التعارف جاء في التوقيت نفسه الذي يتصاعد فيه الجدل حول قوانين الأسرة ومستقبل العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع العربي. وقد يرى البعض أن الأمر مجرد مصادفة زمنية لا أكثر،
لكن آخرين يتوقفون أمام هذا التزامن باعتباره ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل. فبينما تتعرض مؤسسة الأسرة لنقاشات حادة حول الحقوق والواجبات وأدوار كل طرف داخلها، تظهر موجة من العروض التي تقدم الزواج من الخارج باعتباره بديلاً أسهل وأقل تعقيدًا من الزواج التقليدي.
ورغم أن الزواج من أجنبية يظل حقًا شخصيًا ومشروعًا متى توافرت الجدية والتوافق الحقيقي، فإن التوسع المفاجئ في هذه الظاهرة يفرض أسئلة مشروعة حول الجهات التي تقف خلف بعض المنصات، والأهداف التجارية أو غير المعلنة التي قد تسعى إليها، خاصة في ظل عالم أصبح فيه الاحتيال الإلكتروني والاستغلال المالي وجمع المعلومات الشخصية تجارة عابرة للحدود. ومن هنا فإن المطلوب ليس إطلاق الاتهامات أو تبني نظريات المؤامرة، بل التعامل بوعي وحذر مع ظواهر متزامنة تمس الأسرة والهوية والعلاقات الاجتماعية في وقت يشهد تحولات ثقافية غير مسبوقة.
وبطبيعة الحال فإن الزواج من أجنبية ليس جريمة، كما أن آلاف الزيجات الناجحة تمت بين عرب وأجنبيات على مدار عقود طويلة. لكن المشكلة تكمن في أن بعض الحالات قد لا تكون بريئة بالقدر الذي تبدو عليه.
كما يحذر خبراء أمنيون في مختلف دول العالم من أن بعض شبكات الجريمة المنظمة تستخدم العلاقات العاطفية أو عروض الزواج كوسيلة لجمع المعلومات أو الحصول على الأموال أو استدراج الضحايا إلى عمليات نصب واحتيال معقدة.
ولا يعني ذلك أن كل من تعرض الزواج من الخارج متهم أو صاحب غرض خفي، فالتعميم ظلم، لكن من السذاجة أيضًا تجاهل احتمالات الاستغلال أو الاحتيال أو التلاعب النفسي التي أصبحت جزءًا من عالم الإنترنت الحديث.
وبعيدًا عن التعميم أو الأحكام المسبقة، فإن هذه الظاهرة تستحق الدراسة من زوايا متعددة:
-
هل هي مبادرات فردية حقيقية؟
-
أم نشاط تجاري لمنصات ومكاتب زواج دولية؟
-
أم انعكاس لأوضاع اقتصادية واجتماعية في تلك الدول؟
-
أم نتيجة تراجع معدلات الزواج محليًا في بعض المجتمعات؟
والحقيقة أن الإجابة قد تختلف من حالة لأخرى، ولا يمكن اختزال جميع الظواهر في تفسير واحد.
هل هناك استهداف للأسرة العربية؟
يرى بعض المفكرين أن الأسرة العربية تواجه ضغوطًا متزامنة من عدة اتجاهات:
- ارتفاع تكاليف المعيشة والزواج.
- زيادة معدلات الطلاق.
- التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي.
- الصراعات الثقافية حول أدوار الرجل والمرأة.
- محاولات استيراد نماذج قانونية واجتماعية أجنبية دون مراعاة الخصوصية المحلية.
ومن هذا المنطلق يعتقد هؤلاء أن ما يحدث ليس مجرد تعديلات قانونية متفرقة، بل جزء من تحول ثقافي واسع قد يغير شكل الأسرة التقليدية خلال العقود المقبلة.
المطلوب ليس الصدام بل التوازن
الحفاظ على الأسرة لا يعني ظلم المرأة.
وإنصاف المرأة لا يعني إقصاء الرجل.
والتطوير القانوني لا يعني بالضرورة تجاوز الثوابت الدينية.
لذلك فإن الطريق الصحيح يظل في الحوار المجتمعي الواسع، والاستماع إلى المختصين في القانون والاجتماع والشريعة، وعدم التعامل مع الأسرة باعتبارها ساحة صراع بين الجنسين، بل باعتبارها المؤسسة التي يقوم عليها استقرار المجتمع كله.
وبعد … نستطبع ان نقول ان ……
الأمم لا تنهار فقط بالحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تنهار حين تفقد توازنها القيمي والأسري. ولهذا فإن أي قانون يمس الأسرة يجب أن يُناقش بعناية، وأن يُعرض على أهل الاختصاص الشرعي والقانوني والاجتماعي، لأن القضية ليست مجرد مواد قانونية، بل تتعلق بمستقبل أجيال كاملة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نسعى إلى إصلاح الأسرة العربية، أم أننا نشارك دون أن نشعر في إعادة تشكيلها على نحو قد لا يشبهنا؟
واللافت أن الجدل حول قوانين الأسرة، وتصاعد الخطاب النسوي الراديكالي في بعض المنصات، وانتشار عروض الزواج العابرة للحدود، كلها ظواهر متزامنة تثير أسئلة مشروعة حول مستقبل الأسرة العربية.
وقد لا تكون هناك مؤامرة بالمعنى التقليدي للكلمة، لكن المؤكد أن هناك صراعًا فكريًا وثقافيًا حقيقيًا يدور حول شكل الأسرة ودور الرجل والمرأة وحدود المرجعية الدينية في المجتمع. وفي مثل هذه المعارك لا تكون الخسارة في مادة قانونية أو منشور على مواقع التواصل، بل قد تكون الخسارة في هوية مجتمع بأكمله إذا غابت الحكمة والتوازن وحسن التقدير.