عندما تُهان هيبة البرلمان… من يحمي هيبة الدولة؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم يكن ما شهده مجلس النواب اللبناني من مشادات كلامية حادة وتبادل للشتائم والإهانات مجرد حادثة عابرة في سياق جلسة تشريعية، بل كان انعكاسًا مؤلمًا لحالة التراجع التي أصابت الحياة السياسية في لبنان، ورسالة سلبية إلى المواطنين الذين ينتظرون من ممثليهم حلولًا لأزماتهم، لا مشاهد تُسيء إلى المؤسسة الدستورية الأولى في البلاد.
فالبرلمان ليس ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، ولا منصة للصراخ والانفعال، بل هو بيت التشريع والرقابة، والمكان الذي تُدار فيه الخلافات بالحجة والمنطق والاحتكام إلى الدستور. أما عندما تتحول قبة المجلس إلى ساحة للشتائم والإهانات، فإن الخاسر الأول هو هيبة الدولة وثقة المواطنين بمؤسساتها.
إن الاختلاف السياسي حقٌ مشروع، بل هو من أسس النظام الديمقراطي، لكن الانحدار في الخطاب والتجريح الشخصي لا يليق بممثلي الأمة، ولا يعكس مستوى المسؤولية التي حمّلهم إياها الشعب. فالشعوب تقيس احترامها لمؤسساتها بمدى احترام المسؤولين لها، وعندما تغيب المسؤولية، تتراجع هيبة الدولة ويزداد فقدان الثقة بالنظام السياسي.
ويأتي ذلك في مرحلة يواجه فيها لبنان تحديات غير مسبوقة. فالبلاد ما زالت ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية خانقة، ومؤسساتها تكافح لاستعادة دورها، فيما تستمر الضغوط الأمنية والسياسية المرتبطة بالتطورات الإقليمية. وفي ظل هذه الظروف، يحتاج اللبنانيون إلى دولة قوية ومؤسسات متماسكة وخطاب سياسي مسؤول، لا إلى مزيد من الانقسامات والمشاهد التي تعمق الإحباط.
ولو كنت رئيسًا للجمهورية، لما سمحت بأن تتحول قبة البرلمان إلى ساحة للشتائم والإهانات. لكنت طلبت من الجهات القضائية المختصة، ووفقًا للدستور والقانون، اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل نائب يتجاوز حدود اللياقة ويخل بكرامة المجلس، لأن احترام المؤسسة التشريعية ليس مسألة شكلية، بل هو جزء من احترام الدولة نفسها. فلا أحد يجب أن يكون فوق القانون، مهما كان موقعه أو صفته.
إن اللبنانيين لا ينتظرون من نوابهم تبادل الاتهامات، بل ينتظرون تشريعات إصلاحية، وخططًا للنهوض بالاقتصاد، ومعالجة أزمات الكهرباء والمياه والقطاع المصرفي، واستعادة ثقة الداخل والخارج بالدولة اللبنانية.
فهيبة البرلمان ليست امتيازًا للنواب، بل أمانة وطنية. وكلما ارتقى الخطاب السياسي داخل المجلس، ازدادت ثقة المواطنين بدولتهم. أما عندما يطغى الانفعال والشتائم على الحوار، فإن صورة لبنان الديمقراطية تتعرض للاهتزاز، وتفقد المؤسسات جزءًا من احترامها في الداخل والخارج.
إن بناء الدولة لا يبدأ بالشعارات، بل باحترام القانون، والالتزام بالأخلاق السياسية، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية والحزبية. فلبنان اليوم لا يحتاج إلى نواب يتبارون في الصراخ، بل إلى رجال دولة يختلفون باحترام، ويتنافسون في تقديم الحلول، لأن الأوطان تُبنى بالحكمة، لا بالضجيج.
يا عيب الشوم…
أي رسالة يوجّهها نواب الأمة إلى اللبنانيين عندما تتحول قبة البرلمان إلى حلبة للشتائم؟ لقد سئم الشعب هذا المشهد الذي لا يمت بصلة إلى العمل البرلماني ولا إلى أخلاق رجال الدولة. إن من يعجز عن ضبط كلماته، كيف يُؤتمن على التشريع ومصير وطن؟ إن هيبة الدولة تبدأ من هيبة المجلس، وهيبة المجلس تبدأ من احترام أعضائه لأنفسهم ولشعبهم..