هل بدأ الشرق الأوسط يُعاد تشكيله؟ بين الحرب الكبرى والصفقة الكبرى

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

ليس من قبيل المبالغة القول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية قد تعيد رسم موازين القوى فيه لعقود مقبلة. فالتطورات المتلاحقة لم تعد مجرد أزمات متفرقة، بل تبدو حلقات مترابطة في عملية تحول إقليمي واسعة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية.

الحروب التي اندلعت في السنوات الأخيرة لم تعد تُخاض لتحقيق انتصار عسكري فحسب، بل أصبحت وسيلة لإعادة صياغة التوازنات. وفي المقابل، لم تعد المفاوضات مجرد محاولات لوقف إطلاق النار، بل تحولت إلى أدوات لترتيب خرائط النفوذ، وتأمين المصالح، وبناء معادلات جديدة.

لقد دخل العالم مرحلة تتراجع فيها الأحادية القطبية، فيما يتجه النظام الدولي نحو تعددية أكثر تعقيدًا، تتنافس فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية تسعى إلى تثبيت أدوارها. وأصبح الشرق الأوسط أحد أهم ميادين هذا التنافس.

إن ما يجري اليوم في الخليج، وبلاد الشام، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، لا يمكن فهمه كلٌ على حدة، بل كجزء من مشهد استراتيجي واحد، تتقاطع فيه ملفات الطاقة، والممرات البحرية، والاستثمارات، والأمن الإقليمي، والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل حريصة على ترسيخ بيئة أمنية تقلل من مصادر التهديد التي تراها قائمة، بينما تعمل إيران على الحفاظ على نفوذها الإقليمي وأوراقها التفاوضية. أما الدول العربية، فتسعى بدرجات متفاوتة إلى تعزيز الاستقرار، وتنويع شراكاتها، وربط الأمن بالتنمية الاقتصادية.

أما لبنان، فما زال يقف عند مفترق طرق. فاستمرار الانقسام الداخلي يضعف قدرته على التعامل مع التحولات الإقليمية، ويجعل هامش تأثيره محدودًا. وكلما تأخر بناء مؤسسات قوية قادرة على اتخاذ القرار، ازدادت احتمالات أن يتأثر بالتحولات أكثر مما يسهم في صياغتها.

ومن الخطأ الاعتقاد أن مستقبل المنطقة سيُحدد بالقوة العسكرية وحدها. فالتاريخ يثبت أن التسويات الكبرى تنشأ عادةً عندما تدرك الأطراف أن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من كلفة التفاهم. لكن هذه التسويات، إن حصلت، لن تكون بالضرورة انتصارًا كاملًا لطرف أو هزيمة مطلقة لآخر، بل ستكون نتاج موازين القوى والقدرة على التفاوض.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط؟ فالمؤشرات تدل على أن عملية إعادة التشكل جارية بالفعل. بل السؤال الأهم هو: أي شرق أوسط سيولد من هذه التحولات؟ وهل سيكون قائمًا على توازنات مستقرة، أم على هدنة مؤقتة تسبق جولات جديدة من الصراع؟

ويبقى لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبادر إلى بناء دولة قوية، سيدة، عادلة، قادرة على حماية مصالح جميع مواطنيها والتفاعل مع المتغيرات من موقع الفاعل، وإما أن يبقى ساحة تتأثر بما يقرره الآخرون.

إن المستقبل لا تصنعه الجغرافيا وحدها، ولا تفرضه القوة العسكرية وحدها، بل تصنعه أيضًا الدول التي تمتلك رؤية، ومؤسسات، وقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص. وفي عالم يتغير بهذه السرعة، قد تكون أخطر الأخطاء هي الاعتقاد بأن الزمن سيبقى ينتظر المترددين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى