في زمنِ الانقسامات… يبقى الجيشُ وَطنَ جميع اللبنانيين

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في زمنِ الانهيارات الكبرى، لا تبحث الشعوب فقط عن السياسيين، بل تبحث عن رجالٍ يشعر المواطن أمامهم بأنَّ الوطن ما زال قائماً، وأنَّ المؤسسات لم تسقط بعد. ومن هنا، يأتي احترام كثيرٍ من اللبنانيين لاسم العماد رودولف هيكل، باعتباره نموذجاً للضابط الذي يحمل عقل الدولة وهيبة المؤسسة العسكرية في أصعب المراحل التي يمرّ بها لبنان.
فالجيش اللبناني لم يكن يوماً مجرّد مؤسسة أمنية بالنسبة للبنانيين، بل كان دائماً صورةً عن وحدة الوطن عندما ينقسم الجميع، وصوتَ الدولة عندما تعلو أصوات الفوضى والانقسام. ولذلك، فإنَّ اختيار رئيس الجمهورية جوزاف عون للعماد رودولف هيكل قائداً للجيش لم يكن تفصيلاً عادياً، بل رسالةً بأنَّ المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى بعيدة عن الحسابات الضيقة، وأن تُدار بعقلية وطنية تحافظ على استقرار البلاد وهيبتها.
ولأنَّ لبنان يعيش وسط صراعاتٍ إقليمية ودولية معقّدة، بات بعض اللبنانيين يشعرون بأنَّ العقوبات والضغوط الخارجية تُستخدم أحياناً كأدواتٍ سياسية لإخضاع الدول الصغيرة وإرغامها على السير وفق توازناتٍ لا تعبّر دائماً عن مصالح شعوبها. وهنا يبرز الخوف الحقيقي: هل المطلوب من اللبناني أن يتخلّى عن كرامته الوطنية خوفاً من تهديدٍ أو عقوبةٍ أو حصار؟
ومن المؤسف أن يصل الأمر ببعض اللبنانيين في الخارج إلى المطالبة بفرض عقوباتٍ على شخصياتٍ عسكرية ووطنية لبنانية ، وكأنَّ معاقبة الدولة ومؤسساتها أصبحت وسيلةً لتحقيق مكاسب سياسية داخلية. إنَّ أي تحريضٍ خارجي ضدّ الجيش اللبناني وقيادته يجب أن يُواجَه بموقفٍ رسمي حازم، لأنَّ حماية المؤسسة العسكرية ليست دفاعاً عن أشخاص، بل دفاعٌ عن آخر أعمدة الدولة اللبنانية.
إنَّ الشعوب لا تُبنى بالخوف، ولا تُحمى بالإذلال السياسي، بل تُحمى بوجود مؤسساتٍ قوية وجيشٍ متماسك ودولةٍ تعرف كيف تدافع عن سيادتها من دون أن تنجرّ إلى الفوضى أو الكراهية. ولذلك، فإنَّ الالتفاف حول الجيش اللبناني ليس دعماً لشخصٍ فقط، بل دفاعٌ عن فكرة الدولة نفسها، وعن حق اللبنانيين بأن يبقى لهم وطنٌ لا يُدار بالإملاءات ولا يسقط أمام الضغوط.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد تتباين رؤيتهم للمستقبل، لكنّهم يتفقون دائماً على أنَّ بقاء الجيش قوياً ومتماسكاً هو الضمانة الأخيرة لمنع سقوط لبنان الكامل. وفي زمنٍ كثرت فيه الانقسامات، يبقى الرهان على الرجال الذين يضعون الوطن فوق المصالح، والمؤسسة فوق الاصطفافات، والسيادة فوق كل اعتبار.