الخليج على فوهة النار.. هل يُعاد إعداد الشرق الأوسط لحرب كبرى مع إيران؟

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي لبناني
مرشح سابق لرئاسة الجمهورية
ما يجري اليوم في الخليج لم يعد مجرد تصعيد إعلامي عابر بين إسرائيل وإيران، بل بات يشبه مرحلة إعادة تموضع عسكري وسياسي تُنذر بأن المنطقة دخلت واحدة من أخطر لحظاتها منذ سنوات. فارتفاع نبرة التهديدات الإسرائيلية ضد طهران، بالتزامن مع التحركات البحرية الغربية نحو الخليج والبحر الأحمر، يطرح سؤالاً أساسياً: هل يُعاد إعداد المسرح الدولي لمواجهة جديدة مع إيران؟
إسرائيل تدرك أن أي حرب منفردة مع إيران ستكون شديدة الكلفة، ولذلك تحاول دائماً دفع الولايات المتحدة والغرب إلى الانخراط المباشر أو غير المباشر في أي مواجهة مقبلة. ومنذ سنوات، تعتمد تل أبيب على استراتيجية تقوم على تضخيم الخطر الإيراني أمام المجتمع الدولي، عبر التركيز على البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي الممتد من العراق إلى لبنان واليمن.
لكن واشنطن، رغم تحالفها الوثيق مع إسرائيل، لا تنظر إلى الأمور فقط من زاوية الأمن الإسرائيلي، بل من زاوية المصالح الأميركية الكبرى. فالولايات المتحدة تعرف أن أي ضربة واسعة لإيران قد تُشعل المنطقة بأكملها، وتفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً، خصوصاً أن طهران تملك أوراق ضغط جغرافية وعسكرية تمتد على مساحة الشرق الأوسط كله.
ومن هنا يمكن فهم سبب التحركات البحرية الفرنسية والبريطانية والأوروبية نحو الخليج. فالمشهد لا يرتبط فقط بالدفاع عن إسرائيل، بل بحماية الاقتصاد العالمي نفسه. الغرب يدرك أن مضيق هرمز ليس ممراً عادياً، بل شريان الطاقة العالمي، وأن أي تهديد له يعني ارتفاع أسعار النفط، واهتزاز الأسواق، وإرباك الاقتصاد الدولي بأكمله.
لذلك، فإن إرسال السفن الحربية وحاملات الطائرات إلى المنطقة يحمل رسائل متعددة في آن واحد:
رسالة ردع لإيران، ورسالة طمأنة لحلفاء الخليج، ورسالة استعداد لأي انفجار محتمل قد يقع في أي لحظة. فالدول الغربية لا تريد حرباً شاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تبدو ضعيفة أمام التصعيد الإيراني أو التهديدات المتعلقة بالملاحة الدولية.
المشكلة أن الشرق الأوسط اليوم يعيش فوق توازن هش جداً. أي خطأ في الحسابات، أو أي ضربة تتجاوز الحدود المرسومة، قد تدفع المنطقة إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكنها قد تُفرض على الجميع. فإيران لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت لضربة مباشرة، وإسرائيل لن تقبل بتآكل قوة الردع الخاصة بها، والولايات المتحدة لن تسمح بتهديد مصالحها وقواعدها في المنطقة.
أما دول الخليج، فهي تجد نفسها مرة جديدة في قلب العاصفة، رغم محاولاتها المتكررة حماية استقرارها الاقتصادي والأمني. فهذه الدول تعلم أن أي حرب إقليمية لن تبقى محصورة بين إيران وإسرائيل، بل ستنعكس مباشرة على أمن الطاقة والاستثمارات والأسواق والسياحة والملاحة البحرية.
وفي هذا المشهد المعقد، يبدو أن العالم لا يتحرك نحو حرب عالمية بقدر ما يتحرك نحو مرحلة “حافة الهاوية”، حيث تستخدم القوى الكبرى الحشود العسكرية والتهديدات السياسية لمنع الانفجار الكبير، ولكن من دون ضمان القدرة على السيطرة الكاملة عليه.
الخطير في الأمر أن المنطقة أصبحت مليئة بالجبهات المفتوحة: غزة، جنوب لبنان، البحر الأحمر، العراق، سوريا، والخليج. وهذا يعني أن أي شرارة قد تتحول بسرعة إلى حريق إقليمي واسع، خصوصاً في ظل غياب أي مشروع سياسي حقيقي لخفض التوتر.
وفي النهاية، قد لا تكون السفن الغربية المتجهة إلى الخليج إعلاناً لحرب وشيكة، لكنها بالتأكيد إعلان واضح بأن العالم يستعد لأسوأ الاحتمالات، حتى لو كان الجميع يعلن أنه لا يريد الحرب…