خالد رويحة : في الحروب الحديثة.. لا تُقاس القوة بما يُعلن.. بل بما يبقى صامداً بعد الضربة الأولى..
هنا لا يُروى الخبر.. هنا يُكشف ما ورائه
(1)
في لحظةٍ إقليمية مشتعلة تتشابك فيها البحار مع السياسة، وتُعاد فيها كتابة الخرائط تحت ضغط النار والمصالح.. يعود الملف اليمني إلى الواجهة، لا كخبرٍ عابر، بل كعقدة مركزية في مشهدٍ أكبر يتجاوز الحدود.
ما جرى لم يكن لقاءً بروتوكولياً عابراً.. بل حراكٌ محسوب بدقة بين صنعاء والرياض، على طاولةٍ وُضعت في عمّان، يومي التاسع عشر والعشرين من أبريل 2026، بحضور المبعوث الأممي، وتحت مظلة وساطة عُمانية تدرك أن الوقت لم يعد يحتمل المزيد من التجميد.
هناك.. لم تكن الكلمات تُقال فقط، بل كانت تُوزن.. لأن كل جملة قد تفتح طريقاً نحو تهدئة، أو تعيد إشعال جبهة كاملة.
الهدف لم يكن سرياً.. إعادة إحياء “خارطة الطريق” التي كادت أن تُوقّع قبل أن تعصف بها رياح أكتوبر، وإعادة تحريك المياه الراكدة في ملف المحتجزين، وخفض مستوى التصعيد الذي أنهك الجميع دون استثناء.
لكن ما لا يُقال صراحةً.. هو أن اليمن لم يتحرك فجأة من فراغ.. بل تحركت خيوطه بفعل ضغط إقليمي أكبر، عنوانه الخوف من انفجار شامل يبدأ من مضيق هرمز ولا ينتهي عند باب المندب.
العالم اليوم لا ينظر لليمن كملف إنساني فقط.. بل كـ”مفتاح مضيق”.. ومن يملك مفاتيح البحر، يملك ورقة ضغط لا تُشترى.
لهذا جاءت العودة إلى الطاولة.. ليس حباً في السلام فقط، بل خوفاً من كلفة الانفجار.
في العمق، الرسالة التي تتشكل بهدوء تقول: لا حل في اليمن بالإقصاء.. لا طرف يمكن شطبه، ولا معادلة يمكن فرضها بالقوة وحدها.. لأن كل محاولة لكسر طرف، كانت تعني إطالة عمر الحرب لا إنهاءها.
ومن هنا، تتحول “خارطة الطريق” من مجرد ورقة سياسية إلى صيغة إعادة توزيع للأدوار.. توازن بين القوى.. وتفتح باباً لحل لا يُقصي أحداً، بل يُجبر الجميع على الجلوس داخل نفس الإطار.
وفي زاوية أخرى من المشهد.. كانت صنعاء ترسل إشارات مدروسة، لغة أقل حدّة، رسائل طمأنة للجوار، تأكيد أن المواجهة ليست مع المحيط العربي.. بل ضمن سياق أوسع يرتبط بالصراع الإقليمي الكبير.
هذه اللغة لم تكن تغييراً عفوياً.. بل خطوة محسوبة لتهيئة الأرضية.. لأن أي حوار بلا طمأنة.. هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر أول شرارة.
الخلاصة التي تتبلور بهدوء: ما يجري اليوم ليس سلاماً بعد.. لكنه كسرٌ لحالة الجمود.. وفتح نافذة في جدارٍ ظل مغلقاً لسنوات.
اليمن يقف على حافة انتقال.. إما أن يتحول هذا الحراك إلى مسار حقيقي ينهي النزيف.. أو يبقى مجرد جولة جديدة في لعبة الوقت.
لكن المؤكد.. أن من يقرأ المشهد جيداً.. يدرك أن ما تحت الطاولة.. أخطر بكثير مما فوقها.
(2)
جمعة الميدان.. لمن إذا اشتد الطريق، ازداد صلابة..
جمعة لا تُقاس بعدد الساعات، بل بما تُشعله في الأرواح من عزيمة..
جمعة يعرف معناها من وقف في وجه العاصفة ولم ينحنِ، ومن سمع ضجيج التهديد فاختار أن يرد عليه بصمت الثابتين..
في هذه الجمعة:
لا مكان لليأس بين الصفوف، ولا مساحة للخوف في قلوب تعلّمت أن الكرامة أثمن من الراحة..
من حمل الموقف بصدق، عرف أن الطريق الشاق هو الطريق الذي يصنع الرجال..
ارفعوا الدعاء كما تُرفع الرايات، وتمسّكوا باليقين كما يتمسّك المقاتل بأرضه..
فكم من معركةٍ حُسمت أولًا في القلوب، قبل أن تُحسم في الميدان..
اللهم اجعلها جمعة قوةٍ بعد إنهاك، ونصرٍ بعد صبر، وثباتٍ يهزم كل محاولة لكسر الإرادة..
واكتب لأهل العزم ساعةً تتبدل فيها الموازين، ويُعرف فيها من صبر ومن تراجع..
جمعة الميدان.. لمن إذا اشتد الطريق، ازداد صلابة..
(3)
“رضا بهلوي” من جحور العمالة، يتقمص دور المدافع عن إيران، وهو الذي لا يرى في تاريخها سوى كونه امتداداً لكرسي والده المخلوع الذي لفظه الشعب الإيراني وطرده من التاريخ

يخرج علينا “رضا بهلوي” من جحور العمالة، يتقمص دور المدافع عن إيران، وهو الذي لا يرى في تاريخها سوى كونه امتداداً لكرسي والده المخلوع الذي لفظه الشعب الإيراني وطرده من التاريخ. يتحدث عن “مظاهرات المئات” في عواصم الغرب، متناسياً أن هذه الحشود ليست سوى صدىً لأموال الاستخبارات الغربية، ومؤتمرات تُنظم في فنادق واشنطن، بينما الشعب الإيراني الأصيل يثبت في كل ذكرى لانتصاره أنه لن يعود للوراء، ولن يقبل بدميةٍ يحركون خيوطها من خلف المحيطات.
وعندما يُواجه “بهلوي” بسؤال عن حقيقة عمالته للكيان الصهيوني، يرتدي قناع “الصداقة”، معلناً ولاءه المطلق لعدو الأمة. إن اعترافه بصداقة “إسرائيل” ليس سوى تأكيد لكونه ورقة محروقة، يطمح العدو لاستخدامها في معركته الخاسرة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. يتشدق بروابط تاريخية مزعومة، ليغطي بها على عار اصطفافه مع من يحتلون القدس ويهددون أمن المنطقة.
إن “بهلوي” وأمثاله لا يمثلون إيران، بل يمثلون “نظاماً” انتهى بوعي الجماهير التي خرجت في 1979 لتقول لا للتبعية. إيران اليوم هي إيران القوة، والسيادة، والمقاومة، لا إيران التي تُباع وتُشترى في صالونات السياسة الغربية. إن محاولات هذا الشخص لتجميل وجهه القبيح عبر الادعاء بتمثيل الشعب، هي مجرد خيالات واهية، فمن يرتضي أن يكون صديقاً للجلاد الصهيوني، لا مكان له في ذاكرة الشعوب الحرة، ولا شأن له بقرار الأمة التي اختارت طريق العزة والكرامة على طريق الاستلاب والهوان.
𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶
(4)
هنا تشتعل البصيرة.. وهنا يسقط قناع التزييف.
خلف الشاشات تدور حروب صامتة لا دوي لها،
تُحاك فيها الخيوط لتقييد الوعي في أقفاص الخوارزميات.
يصنعون لنا فقاعات من وهم،
يزينون فيها زيفهم،
ويخفون خلف أزرار الإعجاب ملامح الحقيقة.
الوعي ليس مجرد معلومة عابرة،
بل هو ميزان حساس في زمن التزييف،
يعرف كيف يفرق بين النور والسراب.
لا تغرنك بريق الواجهات،
فكلما زاد التضليل،
ازدادت الحاجة إلى عقول ترفض التنميط،
وتصر على رؤية ما وراء الستار.
نحن لا نستهلك، نحن نراقب،
لا ننجرف، بل نحلل.
حين تدرك أنك مستهدف في فكرك،
تبدأ أولى خطوات التحرر من سطوة الضخ الإعلامي.
المعرفة التي لا تعجنها التجارب هي مجرد صدى،
أما الوعي المشتبك مع الواقع،
فهو الوحيد القادر على كسر قيود التبعية.
لا تكن رقمًا في سجلاتهم،
كن رقماً صعباً في معادلة الحقيقة.
(5)
في الحروب الحديثة.. لا تُقاس القوة بما يُعلن..
بل بما يبقى صامداً بعد الضربة الأولى..
التقديرات التي خرجت من دوائر إعلامية غربية، مثل سي بي اس نيوز ونيويورك تايمز، ترسم صورة مختلفة عن الرواية الرسمية..
القدرات العسكرية لدى إيران لم تُحسم.. بل ما زال جزء كبير منها قائماً
نحو 60 إلى 70 بالمئة من القوة الصاروخية والبحرية لم تُكسر
وهذا وحده كافٍ لإسقاط فكرة “الضربة القاضية” من أساسها
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية داخل واشنطن
حين لا يتطابق الواقع مع الرواية.. يتم تصنيع رواية جديدة
نشر صور مفبركة عبر الذكاء الاصطناعي من قبل دونالد ترامب لم يكن مجرد خطأ إعلامي
بل مؤشر على أزمة أعمق
محاولة لخلق انتصار بصري.. حين يغيب الانتصار الميداني
المعركة لم تعد فقط في البحر والسماء
بل في عقول المتابعين
لكن بينما تُدار الحرب إعلامياً.. تتحرك الجغرافيا بصمت
الصومال يدخل المشهد
تهديدات بفرض قيود على مرور السفن المرتبطة بإسرائيل عبر باب المندب
رداً على خطوات سياسية تتعلق بـ “أرض الصومال”
وهنا تتحول المضايق البحرية إلى أدوات ضغط
ليست فقط ممرات تجارة.. بل مفاتيح خنق أو إنعاش
وفي الداخل الأمريكي.. تتصدع الصورة أكثر
خلافات حادة داخل البنتاغون
إقالة أو استقالة جون فيلان
ليست حدثاً عابراً.. بل إشارة إلى صراع في غرف القرار
تمرد ناعم
ضباط يعترضون على طريقة إدارة الحرب
واستراتيجية حصار لم تعد تحظى بإجماع حتى داخل المؤسسة العسكرية
وهنا يظهر العمق الحقيقي للخطة
ما يجري ليس سعياً لإسقاط كامل
بل سياسة استنزاف طويلة
رؤية تُنسب إلى جاريد كوشنر
تقوم على تطويق إيران
إبقائها تحت الضغط
دون دفعها إلى الانهيار الكامل
لكن المشكلة في هذا النوع من الاستراتيجيات
أن الفوضى حين تُدار.. قد تنفلت
ما بدأ كخطة محسوبة
يتحول تدريجياً إلى مشهد مفتوح
تتداخل فيه الجبهات
وتتعدد فيه الأطراف
وتصبح السيطرة أصعب مع كل يوم
الخلاصة
واشنطن لا تواجه خصماً فقط
بل تواجه واقعاً يتغير خارج حساباتها
إيران لم تُحسم
المضايق تحولت إلى سلاح
الداخل الأمريكي منقسم
والرواية لم تعد تقنع كما في البداية
وفي حروب الاستنزاف
لا يفوز من يضرب أولاً
بل من يتحمل أكثر.. ويُطيل النفس حتى النهاية