
النجف وخطّ التوازن الصع .. بقلم / جعفر العلوجي
في لحظة اقليمية شديدة التعقيد جاء بيان مكتب المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني ليضع اطارا سياسيا وأخلاقيا واضحا تجاه العدوان العسكري المستمر على ايران ورغم أن البيان صيغ بلغة دينية وانسانية الا أن مضامينه تحمل رسائل سياسية عميقة تتجاوز حدود الادانة الشكلية لتلامس توازنات القوة في المنطقة ومستقبل النظام الإقليمي .
أولا ، يمكن قراءة البيان بوصفه اعادة تثبيت لمعادلة “رفض تغيير الأنظمة بالقوة” فالمرجعية حين تشير الى خطورة شن حرب شاملة على دولة عضو في الأمم المتحدة لاسقاط نظامها السياسي فانها لا تدافع عن نظام بعينه بقدر ما تدافع عن مبدأ الاستقرار الدولي القائم على سيادة الدول ، هذا الموقف يحمل رسالة غير مباشرة مفادها أن كسر هذا السقف سيجعل كل دول المنطقة عرضة لسيناريوهات مشابهة بما فيها العراق نفسه .
ثانيا ، يعكس البيان ادراكا مبكرا لمخاطر تمدد الصراع ، الإشارة إلى اتساع العمليات العسكرية لتشمل دولا أخرى ليست توصيفا عابرا وانما قراءة استشرافية بأن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تبقى محصورة جغرافيا من منظور عراقي هذا يعني تهديدا مباشرا للأمن الوطني نظرا للتشابك الجغرافي والسياسي والعسكري بين بغداد وطهران ولوجود مصالح وقواعد وقوى دولية فاعلة داخل الأراضي العراقية .
ثالثا ، يحمل البيان رسالة إلى القوى الدولية مفادها أن تجاوز مجلس الأمن والآليات القانونية الدولية سيؤدي الى فوضى ممتدة ، هنا تتبنى المرجعية خطاب “حماية النظام الدولي” لا من باب الثقة المطلقة به بل من باب أن البديل هو شريعة القوة المفتوحة وفي بيئة شرق أوسطية هشة ، تعني الفوضى انهيارا أمنيا واقتصاديا واسع النطاق .
رابعا ، الدعوة إلى “جميع المسلمين وأحرار العالم” تمثل محاولة لبناء غطاء معنوي عابر للحدود ، لكنها في الوقت ذاته تبقي الخطاب ضمن اطار التضامن السياسي لا التعبئة العسكرية ، فالبيان لم يدع الى الجهاد أو الرد المسلح وانما إلى التنديد وايقاف الحرب فورا ما يعكس حرصا واضحا على عدم دفع الساحة العراقية الى الانخراط المباشر في الصراع .
خامسا ، تأكيد الحل السلمي العادل للملف النووي الايراني وفق قواعد القانون الدولي يكشف أن المرجعية لا تنكر وجود ملف خلافي ، لكنها ترفض حسمه بالقوة هذا الموقف يوازن بين الاعتراف بوجود اشكالية دولية وبين رفض تحويلها إلى ذريعة لحرب مفتوحة .
سياسيا ، يمكن القول إن البيان يحاول تثبيت ثلاثة خطوط حمراء:
رفض الحرب الشاملة كأداة سياسية
ورفض اسقاط الأنظمة بالقوة الخارجية ورفض ادخال المنطقة في دوامة فوضى طويلة الأمد .
أما على المستوى العراقي الداخلي فالبيان يوفر غطاء أخلاقيا لموقف رسمي متوازن : ادانة العدوان دون اعلان انخراط عسكري ، والتشديد على الحلول الدبلوماسية دون قطع الجسور مع أي طرف إنه موقف يحمي العراق من الاستقطاب الحاد ويحافظ في الوقت نفسه على انسجام المزاج الشعبي الرافض للحرب .
في الخلاصة ، بيان المرجعية ليس مجرد موقف تضامني مع ايران ، وانما محاولة واعية لمنع انزلاق المنطقة الى معادلة “كسر الإرادات” بالقوة ، انه بيان يقرأ المستقبل بقدر ما يصف الحاضر ويسعى إلى تثبيت منطق الدولة والقانون في مواجهة منطق الحرب المفتوحة وفي منطقة اعتادت الانفجارات المفاجئة ، تبدو دعوة النجف إلى إيقاف فوري للحرب بمثابة محاولة أخيرة لابقاء الباب مفتوحا أمام السياسة قبل أن يغلق تماما بصوت السلاح .