
محمد غزال: المنطقة أمام اختبار تاريخي بين منطق القوة ومسار التسويات السياسية
تحليل استراتيجي أجرتة
Arab Telegraph
منذ فبراير 2026، يشهد الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهد ينذر بتحول استراتيجي قد يعيد رسم خرائط النفوذ ويهدد استقرار الإقليم والنظام الدولي معًا.
في هذا الإطار، أجرت Arab Telegraph حوارًا موسعًا مع المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، لاستشراف أبعاد المشهد الراهن سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا، وقراءة السيناريوهات المحتملة وتداعياتها بعيدة المدى.
■ من إدارة الأزمات إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك
يرى غزال أن التطورات الأخيرة تمثل انتقالًا نوعيًا من سياسة “احتواء التوتر” إلى مرحلة “إعادة تعريف قواعد الاشتباك” بصورة مباشرة ومعلنة. فالمواجهة لم تعد تدار في الظل عبر حروب الوكالة، بل أصبحت اختبار إرادات مكشوفًا، وهو ما يضاعف المخاطر ويضع المنطقة أمام لحظة مفصلية في تحديد موازين القوة.
ويضيف أن التحول من “حرب الظل” إلى المواجهة العلنية يرفع سقف التهديد، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا واقتصاديًا، مع اتساع رقعة القلق الدولي من انفلات إقليمي قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط.
■ ما الذي يجعل التصعيد مختلفًا هذه المرة؟
بحسب غزال، لم يعد جوهر الصراع مرتبطًا بالبرنامج النووي الإيراني أو نسب التخصيب، بل بات متعلقًا بمن يملك حق صياغة معادلات الأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة.
ويحذر من خطورة توسيع مفهوم “الضربات الوقائية” خارج أطر الشرعية الدولية، معتبرًا أن فرض وقائع سياسية بالقوة العسكرية قد يفتح الباب أمام سابقة تهدد ما تبقى من قواعد الانضباط في النظام الدولي، وتكرّس منطق القوة بدل القانون.
■ الاقتصاد في مرمى النيران
على الصعيد الاقتصادي، يؤكد غزال أن التداعيات بدأت بالفعل، مع ارتفاع أسعار النفط واحتمال تجاوزها 130 دولارًا للبرميل في حال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ما قد يشعل موجة تضخم عالمية جديدة.
كما تأثرت حركة التجارة عبر قناة السويس، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، مع اتجاه بعض شركات الشحن إلى مسارات بديلة عبر رأس الرجاء الصالح. هذا التحول لا يرفع فقط تكلفة النقل، بل يضغط على إيرادات مصر ويؤثر في سلاسل الإمداد العالمية، ما ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج وأسعار السلع.
■ الدور المصري: ثلاثية التحرك المتكامل
يشير غزال إلى أن مصر تتحرك وفق استراتيجية متعددة الأبعاد لمواجهة تداعيات الأزمة، ترتكز على:
المحور الدبلوماسي: تكثيف الاتصالات الدولية والإقليمية لخفض التصعيد، والعمل على تثبيت وضع قناة السويس كممر آمن ومحايد للتجارة العالمية.
المحور الأمني البحري: تعزيز إجراءات تأمين الملاحة وتقديم حوافز للشركات للحفاظ على تنافسية المسار الملاحي المصري.
المحور الاقتصادي: تطوير الخدمات اللوجستية وتعظيم القيمة المضافة المرتبطة بالقناة، بما يجعل المرور عبرها خيارًا استراتيجيًا حتى في أوقات التوتر.
■ موسكو وبكين: حسابات المصالح لا العواطف
يرى غزال أن روسيا تدعم إيران سياسيًا في مواجهة الضغوط الغربية، لكنها في الوقت نفسه تدعو إلى ضبط النفس، إدراكًا منها أن أي انهيار إيراني قد يخلّ بتوازناتها في صراعها الأوسع مع الغرب.
أما الصين، فتتبنى سياسة موازنة دقيقة؛ فهي أكبر مستورد للنفط الإيراني، لكنها حريصة على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة، وتسعى خلف الكواليس إلى لعب دور الوسيط لحماية مصالحها التجارية مع الغرب ودول الخليج.
■ السيناريوهات الثلاثة
يحدد غزال ثلاثة مسارات محتملة خلال الفترة القريبة:
استمرار التصعيد المحدود مع تثبيت خطوط حمراء تمنع الانفجار الشامل.
العودة إلى مسار تفاوضي يعيد ضبط الملف النووي ويؤسس لترتيبات أمنية جديدة.
الانزلاق إلى مواجهة واسعة نتيجة خطأ في الحسابات أو قرار سياسي متسرع.
ويرجح بقاء المواجهة ضمن نطاق “التصعيد المحسوب”، مع وجود قنوات اتصال غير معلنة بين الأطراف لتفادي الانفجار الكبير.
■ بين منطق القوة ومسار التسويات
في ختام الحوار، يشدد محمد غزال على أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على الضربات الاستباقية وحدها، بل يحتاج إلى تسويات عادلة ومتوازنة تحترم سيادة الدول وتمنع سباقات التسلح.
ويخلص إلى أن المنطقة تقف اليوم أمام اختبار تاريخي: إما ترسيخ منطق القوة كقاعدة حاكمة، أو استعادة مسار الدبلوماسية كخيار عقلاني لتجنب إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر صراع مفتوح قد تمتد آثاره لعقود.
وبين هذين المسارين، تبقى قدرة القاهرة على إدارة التوازنات وحماية مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية عنصرًا محوريًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، في لحظة تبدو الأكثر حساسية منذ سنوات