
ترهات واراجيف * على خليل * .. الانحدار الاجتماعى .. وازدواجية الشيطان في رمضان
هذه المقالة محاولة لفهم تلك الظاهرة (الانحدار الاجتماعى .. وازدواجية الشيطان في رمضان ) من زوايا نفسية واجتماعية وسياسية وصحية وروحية، لا لتبرير الخطأ، بل لتشريح جذوره.
الإنسان ليس شيطانًا خالصًا ولا ملاكًا خالصًا.
إنه الكائن الوحيد القادر على السقوط والصعود في اللحظة نفسها.

في رمضاننظهر أفضل ما فيا… لكننا لا تمحو أسوأ ما فينا. ولهذا نبدو وكأن روحين تعيشان في جسد واحد:
-
روح تريد الطهر
-
وأخرى تخشى خسارة مصالحها أو صورتها
ليست المشكلة أن التناقض موجود، بل أن نتوقف عن محاولة تجاوزه … من الممكن ان يكون الصائم الذي يخطئ ثم يندم أقرب إلى الله من إنسان متماسك ظاهريًا لكنه بلا صراع داخلي. فالصراع علامة حياة، بينما الجمود علامة موت.
لذا كان هذا السؤال ..
لماذا يجتمع الإيمان والضعف في القلب؟ لنذهب معا الى سؤال اعمق ..
هل سيقودنا الإيمان إلى مقاومة الضعف… أم سيقودنا الضعف إلى تبرير أنفسنا؟
ففي الشهر نفسه الذي يُفترض أن تُصفَّد فيه الشياطين، قد يكذب الإنسان، يغتاب، يخدع، يظلم، أو حتى يختلق القصص ليُحسِّن صورته أو يحقق مصلحة ما. هنا تبرز المفارقة الصادمة :
كيف يجتمع هذا الصفاء الإيماني مع هذا الانفلات الأخلاقي؟
كيف يصوم الإنسان نهارًا ويكذب مساءً؟
كيف يقف بين يدي الله في فى كل صلاواته ثم يعود ليتورط في سلوك باطنه الكذب يناقض ما كان عليه قبل دقائق؟
ويزداد السؤال حدة – حين قيل لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : ( أيكونُ المؤمنُ جبانًا ؟ قال : نعم، فقيل له : أيكون المؤمنُ بخيلًا ؟ فقال : نعم، فقيل له : أيكونُ المؤمنُ كذَّابًا ؟ فقال : لا)
إذا كان الكذب مناقضًا لجوهر الإيمان، فكيف يقع فيه الصائمون؟ ولماذا يبدو وكأن رمضان يكشف لنا ازدواجية داخل النفس ولا نعالجها بالكامل؟
ففي الشهر نفسه الذي يُفترض أن تُصفَّد فيه الشياطين، تتضخم الأكاذيب العامة، وتزدهر الشائعات، ويبرع الناس في تزييف الواقع، ويتقن كثيرون فن قول ما لا يعتقدون. موظف يكذب خوفًا، تاجر يكذب طلبًا للرزق، إعلامي يبالغ أو يحذف أو يموّه، مواطن يبتلع رأيه الحقيقي ويُخرج رأيًا آخر “آمنًا” موظف يمد يده ويكتسب حرام – طبيب يغالى فى قيمة كشفة ويطالب المريض بالحضور مرات تحت بند المتابعة لتحصيل نقودا اكثر وووووووووووووووووووووووووو.
كيف يجتمع هذا مع مشهد الصلوات والقرآن والصدقات؟
كيف يصوم الإنسان نهارًا ثم يكذب مساءً دون أن يشعر بانفجار داخلي؟ (حاجة غريبة صح !!)
وهل الازدواجية هنا أخلاقية فقط… أم أنها نتيجة بنية سياسية واجتماعية كاملة تُنتج إنسانًا مزدوجًا قسرًا؟ او استهبالا لا توجد رقابة لايوجد عقاب .. قفذات اجتماعية مجنونة الثراء الفاحش (على الجانب الاخر (موش مهم معاه او ممعوش)واختفاء القناعة )
الجواب الصادم: المشكلة ليست في رمضان… بل في الواقع الذي يسبق رمضان.
أولًا- : رمضان يكشف ولا يُغيّر جذريًا
رمضان لا يحدث معجزة تمحو الشخصية القديمة خلال 30 يومًا. إنه أشبه بكاشف ضوء قوي للضمير يفضح ما كان مخفيًا.
-
الإيمان يظهر بوضوح * القلق يظهر بوضوح * الخوف يظهر بوضوح * النفاق يظهر بوضوح
لذلك يبدو رمضان وكأنه شهر التناقضات الحادة، لأنه يزيل الطبقات الخارجية التي كانت توارى النفس طوال العام.
2-: الإنسان تحت الضغط يتحول إلى كائن دفاعي
في الظروف الطبيعية، يستطيع الإنسان أن يكون صادقًا لأن الصدق لا يكلّفه كثيرًا.
لكن في البيئات الضاغطة، يصبح الصدق رفاهية خطيرة.
حين يخاف الإنسان من: * فقدان الوظيفة * الملاحقة * الفضيحة * الفقر* العزلة * السلطة * الرأي العام
فإن دماغه يتحول إلى “وضع النجاة”، حيث الأولوية ليست للفضيلة بل للبقاء.
وهنا يصبح الكذب ليس خيارًا أخلاقيًا بل أداة بقاء.
3-: الدولة الخائفة تصنع شعبًا خائفًا
في الأنظمة التي تُدار بالخوف — سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا — يتعلم الناس مهارة واحدة مبكرًا:
قول ما يجب قوله… لا ما يجب قوله حقًا.
ينشأ المواطن وهو يعرف أن الحقيقة ليست دائمًا آمنة.
وأن الصراحة قد تُكلف أكثر مما تستحق.
وأن النجاة أحيانًا تمر عبر الصمت أو التمويه أو الكذب الأبيض.
بعد سنوات، يتحول هذا السلوك إلى طبيعة ثانية.
ثم يأتي رمضان… فيصلي هذا المواطن ويبكي بصدق، لكنه لا يستطيع فجأة أن يتخلى عن آلية دفاعية بُنيت خلال عمر كامل.!!!! (اليس كذلك؟!)
4- : الاقتصاد القاسي يُنتج أخلاقًا قاسية
فلا يمكن فصل الأخلاق عن الظروف المعيشية.
في بيئة يعاني فيها الناس من: *تضخم *بطالة * دخل غير كافٍ * انعدام الأمان الوظيفي * تفاوت طبقي صارخ ….. الخ .. ويصبح الصراع اليومي هو: كيف أعيش؟
وهنا قد يكذب البائع في السعر لأنه إن لم يفعل لن يغطي تكلفته.
قد يكذب الموظف عن إنجاز لم يقم به لأنه يخشى الاستغناء عنه.
قد يكذب رب الأسرة على أولاده ليمنحهم وهم الأمان.
هنا تباح كل الممنوعات تباح كل الجرائم ويصبح الكذب هو السلعة الرائجة والتى تسير حياة المواطن وادارات الدولة!
ورمضان لا يلغي هذه الضغوط.
إنه فقط يضعها في مواجهة مباشرة مع الضمير… والضمير محتاج اشياء كثيرة حتى ينمو ويذدهر بين جميع ادوات المجتمع
5- انفلات الاخلاق المجتمعية
ويصبح التدين الاجتماعي… أخطر من غياب التدين
حين يصبح التدين معيارًا اجتماعيًا، لا يعود مجرد علاقة بين العبد وربه، بل يتحول إلى هوية عامة يجب الحفاظ عليها أمام الآخرين.
في رمضان تحديدًا، تتضخم هذه الظاهرة:
-
الجميع يفطر معًا
-
الجميع يصلي علنًا
-
الجميع يتحدث بلغة دينية
-
الجميع يفترض في الجميع الصلاح
وهنا يظهر التناقض القاتل:
قد يخشى الإنسان من أن يبدو أقل تدينًا أكثر مما يخشى أن يكون أقل صدقًا.
فيكذب ليبدو صالحًا.!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
6 – : الإعلام وصناعة الواقع البديل
في كثير من المجتمعات، لا يعيش الناس في واقع واحد، بل في واقعين:
-
الواقع الحقيقي
-
الواقع المُعلن
الواقع المُعلن قد يكون أكثر تفاؤلًا أو أكثر استقرارًا أو أكثر نجاحًا مما هو موجود فعليًا.
ومع تكراره يوميًا، يتعلم الناس التعايش معه، بل إعادة إنتاجه في أحاديثهم.
في رمضان، حيث ترتفع الحساسية الأخلاقية، يصبح هذا التناقض أكثر وضوحًا:
الناس يتحدثون بلغة مثالية… لكنهم يعرفون في داخلهم أن الصورة ليست كاملة.
7- : لماذا الكذب تحديدًا أخطر؟
لأن الكذب لا يدمّر الخارج فقط… بل الداخل.
السرقة اعتداء على المال.
القتل اعتداء على الجسد.
أما الكذب فهو اعتداء على الحقيقة نفسها.
وعندما تتآكل الحقيقة، يتآكل معها:
-
الثقة * العلاقات * لالشعور بالأمان * القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ (ولهذايظهر الكذب نقيض الإيمان)
و يقوّض الأساس الذي يقوم عليه أي مجتمع سليم.
8- : الصائم قد يكون صادق النية… وضعيف الإرادة
ليس كل تناقض نفاقًا.
أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا بصدق… لكنه غير قادر على ترجمة هذا الإيمان إلى سلوك دائم.
النية شيء، والقدرة شيء آخر.
الصوم يقوي النية، لكنه لا يمحو فجأة * آالخوف المتراكم ..العادات القديمة .. الأنماط النفسية المصالح المعقدة
9- : الازدواجية ليست علامة فساد فقط… بل علامة صراع
الإنسان الذي لا يشعر بأي تناقض غالبًا فقد حساسيته الأخلاقية.
أما من يتألم من تناقضه، فهذا دليل أن الضمير لا يزال حيًا.
رمضان يجعل هذا الألم أوضح.
كأن القلب يقول لصاحبه:
“أنت قادر على أن تكون أفضل… فلماذا لا تفعل؟”
10- : هل تصفَّدت الشياطين حقًا؟
حتى لو صُفِّدت الشياطين الخارجية، تبقى “الشياطين الداخلية”:
-
الأنا
-
الخوف
-
الطمع
-
الغضب
-
حب الظهور
-
الحاجة للاعتراف الاجتماعي
وهذه لا تُصفَّد بسلاسل، بل تُروَّض بالتربية الطويلة.
11-: أخطر نتيجة لهذه الازدواجية
أن يتحول الكذب من استثناء إلى قاعدة. و يفقد الإنسان قدرته على رؤية التناقض أصلًا.
عندها يصبح المجتمع كله في حالة “وعي مزدوج”:
يعرف الحقيقة ويغمض عينيه … ويتصرف كأنها غير موجودة.
12- : كيف يجتمع الإيمان والانفلات في لحظة واحدة؟
لأن الإنسان ليس خطًا مستقيمًا، بل موجة.
- قد يبلغ ذروة الصفاء في الصلاة… ثم يهبط فور خروجه إلى عالم المصالح والصراعات. – القلب يصعد ويهبط عشرات المرات يوميًا.
المشكلة ليست في الشيطان… بل فينا وداخل البيئة التى نتربيى فيها.!
أسهل من تفسير للخطأ هو إلقاؤه على الشيطان.
لكن التفسير الأصعب — والأصدق غالبًا — هو أن نسأل:
ما الذي يجعل الإنسان يحتاج إلى الكذب أصلًا؟
إذا كان الواقع آمنًا وعادلًا، يقل الكذب.
إذا كان قاسيًا وغامضًا ومخيفًا، يزدهر الكذب حتى بين المتدينين.
رمضان لا يصنع الملائكة…
بل يكشف حجم المعركة داخل الإنسان.
إنه الشهر الذي ترى فيه أجمل ما يمكن أن يكون عليه البشر…
وأيضًا أكثر ما يخشون الاعتراف به. ليس لأنهم منافقون بالضرورة،
بل لأنهم يعيشون بين عالمين:
-
عالم يريد منهم أن يكونوا صالحين
-
وعالم يفرض عليهم أن يكونوا حذرين
وفي المسافة بين الصلاح والحذر… يولد الكذب .. تولد الازدواجية.
لذا يقف الانسان وعيناه دامعتان في الصلاة… ولسانه يكذب ومرتبك أمام الواقع. .. ليس لأنه بلا إيمان،
لكن لأن الإيمان وحده لا يلغي الخوف ولا يمحو تعقيد الحياة.