دراما رمضان ومتلازمة الشراب المقلوب – بقلم: محمد لطفي

في التسعينات، أطلق بعض النقاد على المسرحيات التجارية الصيفية وصفًا ساخرًا هو “شراب مقلوب”. المصطلح كان يشير إلى أعمال تعتمد على إعادة تدوير نصوص قديمة، تُقدَّم كما هي تقريبًا، بنفس الإفيهات، وأحيانًا بنفس الأداء، مع تغيير بسيط في الشكل الخارجي فقط.

اليوم، ونحن نتابع دراما رمضان 2026، يبدو أن هذا المصطلح عاد للحياة… ولكن على شاشة التلفزيون.
إعادة تدوير أم حنين للماضي؟
ما نلاحظه في عدد من مسلسلات الموسم الحالي هو تكرار واضح للأفكار. نفس القوالب الدرامية، نفس الصراعات التقليدية، وأحيانًا نفس البطل تقريبًا يؤدي نفس الشخصية لكن باسم مختلف.
الرجل المأزوم أخلاقيًا، السيدة التي تواجه المجتمع وحدها، شاب يبحث عن العدالة في عالم فاسد… كلها خطوط درامية شاهدناها مرارًا. المشكلة ليست في الفكرة نفسها، بل في طريقة تقديمها. هل تمت معالجتها بزاوية جديدة؟ هل أضيف إليها عمق نفسي أو رؤية مختلفة؟ في كثير من الحالات، الإجابة تميل إلى “لا”.
الاستسهال أم أزمة نصوص؟
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل أصبح الأمر نوعًا من الاستسهال الإنتاجي؟ أم أننا أمام أزمة حقيقية في النصوص والسيناريو؟
بعض الأعمال تبدو وكأنها نسخة معدّلة من نجاح سابق. يتم تغيير اسم المسلسل، وربما ملامح الشخصية، لكن البنية الأساسية تبقى كما هي. نفس التصاعد، نفس الصدمة في الحلقة الخامسة، نفس الانفجار في الحلقة الخامسة عشرة، ثم نهاية أخلاقية متوقعة.
الدراما بطبيعتها تقوم على التكرار الإنساني، نعم. لكن الفرق كبير بين “ثيمة إنسانية متجددة” و”قالب محفوظ يُعاد تعبئته”.
أين المغامرة؟
رمضان كان دائمًا موسم المنافسة الكبرى، حيث تتسابق شركات الإنتاج لتقديم الأفضل. لكن المنافسة الحقيقية ليست في عدد النجوم أو قوة الدعاية، بل في الجرأة الفنية.
المشاهد اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على اكتشاف التكرار. المنصات الرقمية فتحت أمامه أبوابًا واسعة لمشاهدة أعمال من ثقافات مختلفة، وهو لم يعد يكتفي بالقصة التقليدية نفسها كل عام.
ليست أزمة موهبة… بل أزمة رؤية
الغريب أن الساحة مليئة بالممثلين الموهوبين والكتاب القادرين على الإبداع. المشكلة لا تبدو في الإمكانيات، بل في الرغبة في الخروج من المنطقة الآمنة.
النجاح السابق أصبح يُستنسخ بدل أن يُطوَّر. والشخصية الناجحة تتحول إلى “قالب جاهز” يُعاد استخدامه بدل أن تكون خطوة إلى الأمام في مسيرة فنية.
هل من أمل في كسر الدائرة؟
رغم كل ذلك، لا يمكن إنكار وجود محاولات جادة داخل الموسم. بعض الأعمال حاولت الاقتراب من قضايا اجتماعية حساسة بطرح أكثر هدوءًا وواقعية، بعيدًا عن الصراخ الدرامي المعتاد.
لكن الصورة العامة لا تزال تميل إلى إعادة التدوير أكثر من التجديد.
ربما آن الأوان أن نتوقف عن تقديم “شراب مقلوب” للمشاهد، حتى لو كان بطعم مألوف ومضمون النجاح.
الدراما لا تعيش على الأمان، بل على المغامرة.
ولا تُخلَّد بالأسماء الكبيرة، بل بالأفكار الكبيرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى