
على خليل يكتب : حرب القيامة في الشرق الأوسط: من سيشعلها أولاً؟
لم يعد السؤال في الشرق الأوسط: هل ستندلع الحرب؟

بل: متى… ومن سيضغط الزناد أولاً؟
المنطقة تقف اليوم على أخطر حافة منذ عقود، حيث تتقاطع الحسابات النووية مع الهواجس الأمنية، وتتراكم الأساطيل العسكرية فوق مياه الخليج، بينما ترتفع نبرة التهديد بين إيران وإسرائيل بدعم مباشر من الولايات المتحدة. كل طرف يعلن أنه لا يريد الحرب… لكن كل طرف يستعد لها كما لو أنها ستبدأ غدًا.
هذه ليست أزمة عابرة، بل مواجهة على شكل النظام الإقليمي نفسه: من يحكم الشرق الأوسط؟ ومن يملك الردع؟ ومن يرسم حدود القوة في عصر ما بعد الحروب التقليدية؟
على عكس الحروب السابقة، لا توجد جبهة واحدة واضحة. إيران لا تعتمد فقط على جيشها النظامي، بل على شبكة نفوذ ممتدة عبر المنطقة. وإسرائيل لا ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا عاديًا، بل خطرًا وجوديًا لا يمكن التعايش معه. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى منع الانفجار الشامل دون أن تبدو متراجعة أمام خصومها.
النتيجة هي ما يسميه خبراء الاستراتيجية «توازن الرعب غير المستقر»:
كل الأطراف تملك القدرة على الإيذاء… ولا أحد يملك القدرة على الحسم السريع.
إسرائيل تملك تفوقًا تقنيًا وعسكريًا ساحقًا، لكنها صغيرة جغرافيًا وحساسة لأي ضربات كثيفة. إيران أضعف تقليديًا، لكنها ضخمة جغرافيًا وقادرة على خوض حرب استنزاف طويلة ومؤلمة. والولايات المتحدة تمتلك القوة الأكبر، لكنها لا تريد الانجرار إلى حرب برية جديدة في المنطقة.
من يطلق الشرارة التى ستشعل الجحيم؟
الحروب الكبرى لا تبدأ عادة بقرار معلن، بل بحادثة تتدحرج خارج السيطرة. ضربة استباقية لمنشأة نووية، اغتيال شخصية عسكرية بارزة، هجوم صاروخي واسع، أو حتى خطأ في الحسابات قد يحول التصعيد إلى مواجهة شاملة خلال ساعات.
إسرائيل تلمّح منذ سنوات إلى أنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وفي المقابل، ترى طهران أن أي هجوم على أراضيها سيُقابل برد يتجاوز حدود المواجهة المباشرة. هنا يكمن الخطر الحقيقي: كل طرف يعتقد أن الردع سيمنع الآخر من التصعيد… لكن التاريخ مليء بحروب اندلعت لأن الجميع اعتقد أن الطرف الآخر سيتراجع.
إذا بدأت الضربة… فلن تبقى محدودة
أي هجوم على إيران لن يكون مجرد عملية جراحية سريعة. المنشآت النووية موزعة ومحصنة، وبعضها مدفون في أعماق الجبال. وهذا يعني أن الضربة الأولى قد تتبعها موجات متتالية من القصف، ما يفتح الباب أمام رد واسع.
الرد الإيراني المتوقع لن يقتصر على هدف واحد. قد يشمل ضربات صاروخية على إسرائيل، واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وتهديد الملاحة في الخليج، وربما فتح جبهات متعددة عبر حلفاء طهران الإقليميين. عند هذه النقطة، تتحول المواجهة من حرب بين دولتين إلى حرب إقليمية كاملة.
الاقتصاد العالمي: الضحية الأولى
حتى لو بقيت المعارك بعيدة جغرافيًا عن معظم دول العالم، فإن آثارها ستصل فورًا إلى كل بيت. الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع سياسي، بل شريان الطاقة العالمي. أي اضطراب كبير في تدفق النفط أو الغاز سيؤدي إلى قفزة هائلة في الأسعار، وتضخم عالمي، وربما ركود اقتصادي واسع.
الدول النامية ستكون الأكثر تضررًا، حيث تعتمد على الاستيراد وتعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية. أما الدول الصناعية فستواجه ضغوطًا داخلية هائلة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة.
المفارقة أن جميع الأطراف تدرك أن الحرب ستكون كارثية… ومع ذلك يواصل كل طرف التصعيد. السبب هو أن التراجع قد يبدو أخطر سياسيًا من المواجهة نفسها. إسرائيل تخشى فقدان مصداقية ردعها. إيران ترى أن التراجع تحت التهديد يعني فتح الباب لمزيد من الضغوط. والولايات المتحدة لا تريد أن تظهر بمظهر العاجز عن حماية حلفائها.
هكذا يدخل الجميع في دائرة مغلقة: الاستعداد للحرب لتجنب الحرب… بطريقة تزيد احتمال وقوعها.
الشرق الأوسط بين الردع والانفجار
حتى الآن، ما يمنع الانفجار ليس الثقة ولا التفاهم، بل الخوف المتبادل من النتائج. لكن هذا الخوف نفسه قد يتحول إلى عامل تسريع إذا شعر أحد الأطراف أن الوقت يعمل ضده. أخطر اللحظات في التاريخ هي تلك التي يعتقد فيها القادة أن «الضربة الآن أفضل من الضربة لاحقًا».
لن يكون هناك إعلان رسمي ببدء «حرب القيامة». ستبدأ بضربة محدودة أو حادثة مفاجئة، ثم تتدحرج بسرعة تفوق قدرة الدبلوماسية على احتوائها. وعندها قد يجد العالم نفسه أمام أكبر صراع في الشرق الأوسط منذ أجيال.
السؤال الحقيقي ليس من يملك القوة الأكبر… بل من يملك أعصابًا أطول، ومن قد يخطئ الحساب أولاً.
المنطقة تعيش الآن لحظة هدوء ثقيل تشبه الصمت الذي يسبق العاصفة.
وقد يكون هذا الصمت أخطر من الحرب نفسها.