
موت «محمد بن زايد : الفراغ الذي يهز الخليج»

سيناريو غياب الحاكم الأقوى في الخليج :
ماذا لو رحل محمد بن زايد آل نهيان فجأة؟
تمهيد استراتيجي :
منذ صعود محمد بن زايد آل نهيان إلى مركز القرار الفعلي، تحولت الدولة من نموذج خليجي تقليدي قائم على الريع النفطي إلى قوة إقليمية فاعلة تستخدم:
-
النفوذ المال – القوة العسكرية المحدودة عالية الكفاءة – الشبكات الأمنية والاستخباراتية
-
الدبلوماسية البراغماتية – أدوات التأثير غير المباشر
الزعامة الحالية ليست مجرد حكم أسرة، بل نظام إدارة دولة مُعقّد عالي المركزية.
أولًا: بنية النظام السياسي — من الشخص إلى المؤسسة
رغم الطابع الاتحادي، فإن مركز الثقل الحقيقي يتمركز في: أبوظبي سياسيًا وأمنيًاى دبي اقتصاديًا وماليًا
النظام يعتمد على:- توازن داخل الأسرة الحاكمة – توزيع دقيق لمراكز القوة – أجهزة أمنية شديدة الاحتراف – شرعية قائمة على الرفاه والاستقرار لا المشاركة السياسية
ثانيًا: دوائر النفوذ الخارجية
1) الدائرة الخليجية
العلاقة مع المملكة العربية السعودية هي حجر الأساس، لكنها علاقة:
-
تعاون استراتيجي * تنافس اقتصادي هادئ * اختلاف في ملفات إقليمية محددة
2) الدائرة الدولية الكبرى
الولايات المتحدة* الشريك الأمني الأول * الضامن العسكري غير المعلن * مصدر التكنولوجيا الدفاعية
الصين — شريك اقتصادي متصاعد * بوابة لمبادرة الحزام والطريق * توازن مع الاعتماد على الغرب
روسيا — روسيا * تنسيق في الطاقة * تعاون سياسي انتقائي * قناة تواصل في أزمات الشرق الأوسط
3) الدائرة الإقليمية الساخنة
إيران — * العلاقة معقدة للغاية: * خصومة أمنية * تواصل اقتصادي محدود * إدارة توتر محسوبة
اليمن — أحد أهم ساحات النفوذ العسكري غير المباشر.
ليبيا — نموذج لاستخدام القوة بالوكالة لتحقيق أهداف جيوسياسية.
ثالثًا: أدوات القوة الصلبة والناعمة
القوة الصلبة
جيش صغير عالي التسليح * قوات خاصة فعالة * قواعد خارجية محدودة* شراكات دفاعية متعددة
القوة الناعمة
-
استثمارات عالمية ضخمة * مراكز مالية * شركات سيادية * نفوذ إعلامي وثقافي
رابعًا: الاقتصاد كأداة أمن قومي
تعتمد الدولة على: * صناديق سيادية هائلة * تنويع اقتصادي مبكر * جذب رأس المال العالمي * دور محوري في الطاقة عبر أوبك
الاستقرار الاقتصادي هو خط الدفاع الأول للنظام.
خامسًا: سيناريوهات الاستقرار الداخلي (تقدير مخاطر)
السيناريو المرجّح — الاستمرارية المؤسسية
الأرجح أن الدولة صممت نفسها لتتجاوز الاعتماد على شخص واحد عبر: * توزيع السلطات داخل العائلة * مؤسسات أمنية قوية * شبكة مصالح اقتصادية عالمية * قبول دولي واسع
تقدير ردود الفعل الدولية في أي أزمة كبرى
الغرب – سيسعى إلى: ضمان استقرار تدفق الطاقة – حماية الاستثمارات – منع فراغ أمني في الخليج
روسيا والصين – قد تستغلان أي اضطراب لتعزيز النفوذ الاقتصادي والعسكري.
القوى الإقليمية – ستراقب التوازنات الجديدة أكثر مما تسعى لتغييرها بالقوة.
خلاصة استخباراتية نهائية
دولة الإمارات اليوم ليست مجرد دولة نفطية ناجحة، بل: نظام نفوذ إقليمي مُصمَّم هندسيًا للاستمرارية.
أي تحول كبير لن يؤدي على الأرجح إلى انهيار مفاجئ، بل إلى إعادة تموضع تعديل استراتيجيات
على خليل
—————-
في الشرق الأوسط لا تكون الصدمة الحقيقية في موت الزعماء، بل في الفراغ الذي يتركونه خلفهم. فالتاريخ في هذه المنطقة لا يتحرك فقط بالقوانين والمؤسسات، بل بالأشخاص الذين يمسكون بخيوط القوة والمال والأمن والتحالفات في وقت واحد. وعندما يختفي أحد هؤلاء فجأة، لا يكون السؤال: ماذا حدث؟ بل: ماذا سيحدث الآن؟
وفي حالة رئيس دولة بحجم وتأثير محمد بن زايد آل نهيان، فإن غيابه المفاجئ — لأي سبب كان — لن يُقرأ كخبر وفاة عادي، بل كحدث جيوسياسي من الدرجة الأولى، قد يعيد ترتيب التوازنات في الخليج والشرق الأوسط، وربما أبعد من ذلك.
محمد بن زايد ليس مجرد رئيس دولة نفطية ثرية. إنه مهندس دور الإمارات الإقليمي الحديث، وصاحب رؤية حول تحويل الدولة إلى قوة مالية وتكنولوجية وعسكرية مؤثرة، ولاعب محوري في ملفات تمتد من القرن الإفريقي إلى شرق المتوسط، ومن أسواق الطاقة إلى شبكات الاستثمار العالمية. لذلك فإن غيابه لا يعني فقط انتقال السلطة، بل احتمال إعادة ضبط منظومة كاملة من المصالح والتحالفات.
إذا كان الرحيل نتيجة مرض مفاجئ ومعلن، فسيبدو المشهد ظاهريًا هادئًا. ستُعلن الدولة الحداد الرسمي، ويُفعَّل الانتقال الدستوري للسلطة بسرعة، وتصدر بيانات طمأنة للأسواق وللحلفاء، وتستمر المؤسسات في العمل دون توقف. لكن خلف هذا الهدوء ستبدأ عملية دقيقة لإعادة توزيع النفوذ داخل مراكز القرار، لأن القيادة في الإمارات — رغم مؤسسيتها — كانت شديدة الارتباط بشخصية الرجل ورؤيته وشبكة علاقاته الخاصة.
أما إذا كان الغياب نتيجة حادث غامض، فإن الأسئلة ستسبق الإجابات. هل كان حادثًا فعلاً؟ هل هناك إهمال؟ هل كان مستهدفًا؟ في الشرق الأوسط، الغموض يولد نظريات لا تنتهي، وغالبًا ما تتحول الشكوك إلى جزء من الواقع السياسي نفسه، حتى لو لم تثبت. وسيؤدي ذلك إلى ضغط إعلامي دولي، وتحليلات استخباراتية، ومحاولات استغلال سياسي من الخصوم.
السيناريو الأخطر على الإطلاق هو الاغتيال، سواء ثبت أو لم يثبت. لأن اغتيال قائد بهذا الوزن يعني اختراقًا أمنيًا كبيرًا، ويثير احتمال وجود صراع خفي داخلي أو صدام إقليمي أو عملية معقدة نفذها فاعل دولي أو غير دولي. في هذه الحالة قد تدخل المنطقة مرحلة توتر مرتفع، لأن الرسالة الضمنية ستكون أن أحد أكثر الأنظمة استقرارًا وأمنًا في المنطقة تعرض لضربة مباشرة.
السؤال التالي سيكون: من سيوجَّه إليه اللوم؟ داخليًا ستُراجع الأجهزة الأمنية وأنظمة الحماية، وقد تظهر شائعات عن صراعات داخل النخبة حتى لو لم يكن لها أساس. عربيًا قد تلمّح بعض الأطراف إلى خصوم سياسيين أو تنظيمات متطرفة أو صراعات إقليمية، كل حسب موقعه وتحالفاته. دوليًا ستقرأ كل قوة كبرى الحدث وفق مصالحها: هل يضرها أم يفيدها؟ هل يغير توازن الطاقة؟ هل يعزز نفوذ منافسيها؟
داخل الإمارات نفسها، من المرجح أن يكون الرد سريعًا وحاسمًا. فالدولة تدرك أن الاستقرار هو رأس مالها الحقيقي. لذلك ستتحرك فورًا لمنع أي إحساس بفراغ السلطة: انتقال منظم، حضور أمني مكثف، رسائل طمأنة داخلية وخارجية، واستمرار السياسات الأساسية دون تغيير مفاجئ. الهدف ليس فقط إدارة الأزمة، بل منع تحولها إلى أزمة أصلاً.
على المستوى الخليجي، سيُنظر إلى الحدث باعتباره قضية أمن قومي جماعي. لأن اهتزاز أبوظبي لا يظل داخل حدودها. ستصدر بيانات دعم قوية، وتحدث زيارات رفيعة المستوى، وقد يُعزَّز التنسيق الأمني والعسكري. فاستقرار منظومة الخليج مترابط، وأي خلل في إحدى دوله الكبرى ينعكس على الجميع.
أما العالم العربي الأوسع، فسيجمع بين التعزية الرسمية والقلق غير المعلن. بعض الدول تعتمد اقتصاديًا أو سياسيًا على الدعم الإماراتي، وستتساءل عن مستقبل هذا الدعم. دول أخرى قد تراقب ما إذا كانت السياسات الإقليمية للإمارات ستتغير أم لا. لكن في الأيام الأولى ستسود لغة الوحدة، لأن لحظات الوفاة الكبرى تُجمّد الخلافات مؤقتًا.
في العالم الإسلامي، سيظهر تعاطف واسع ومحاولات للتأكيد على الاستقرار، لأن أي فراغ في دولة مستقرة قد يُستغل من قبل جماعات متطرفة أو فاعلين غير دولتيين يسعون للفوضى. لذلك سيكون الخطاب العام داعيًا للتماسك وتجنب الشائعات.
روسيا ستنظر إلى الحدث ببرود استراتيجي. فالإمارات شريك اقتصادي واستثماري مهم لموسكو، خاصة في ظل التحولات العالمية. وستسعى لضمان استمرار العلاقات وعدم انزلاق الدولة إلى اضطراب قد يؤثر على أسواق الطاقة والاستثمارات. وقد تعرض دعمًا سياسيًا أو أمنيًا غير مباشر للحفاظ على الاستقرار.
الغرب بدوره سيعتبر الأمر تطورًا حساسًا للغاية، لأن الإمارات حليف أساسي في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والطاقة والتكنولوجيا والملاحة البحرية. لذلك سيحدث تواصل سريع مع القيادة الجديدة، ورسائل دعم واضحة، وربما تنسيق أمني مكثف لضمان عدم حدوث فراغ تستغله قوى معادية.
لكن النقطة الأخطر ليست السياسة بل الاقتصاد. فالأسواق لا تتأثر بالعواطف بل بالمخاطر. أي غياب مفاجئ لقائد مؤثر قد يؤدي إلى تذبذب في البورصات، وقلق المستثمرين، وارتفاع تكلفة التأمين على المخاطر، وربما ضغط مؤقت على أسعار الطاقة. غير أن انتقال السلطة بسلاسة كفيل بإعادة الثقة بسرعة، لأن الاقتصاد الإماراتي قائم على مؤسسات قوية وشبكة استثمارات عالمية واسعة.
هل يمكن أن تتغير سياسات الإمارات؟ ليس فورًا. الدول الكبرى لا تغيّر مسارها بين ليلة وضحاها. لكن على المدى المتوسط قد تظهر تعديلات في بعض الملفات الإقليمية أو أسلوب مختلف في إدارة العلاقات الدولية، تبعًا لشخصية القيادة الجديدة وأولوياتها.
ما يخشاه العالم حقًا هو أن يؤدي غياب لاعب محوري إلى إعادة تشكيل التحالفات وصعود قوى منافسة واشتداد صراعات النفوذ. فالشرق الأوسط نظام حساس؛ إزالة عنصر واحد قد تعيد توزيع الأوزان كلها.
يبقى السؤال الأكثر برودة والأكثر واقعية في علم السياسة: من المستفيد؟ ليس بالضرورة أن يكون هناك فاعل، لكن دائمًا هناك من يرى في الحدث فرصة. قد يكون منافسًا إقليميًا، أو لاعبًا اقتصاديًا، أو قوة تسعى لإعادة رسم التوازنات. لكن إثبات ذلك شيء، والتكهن به شيء آخر.
السيناريو الأسوأ يحدث إذا تزامن الغياب مع أزمات إقليمية أو توترات دولية أو اضطرابات اقتصادية عالمية. عندها قد يتحول الحدث من مجرد انتقال قيادة إلى نقطة تحول تاريخية.
ومع ذلك، تشير التجربة الإماراتية إلى قدرة عالية على احتواء الصدمات عبر مؤسسات قوية وانتقال منظم للسلطة. أي أن الدولة ستسعى لتحويل الحدث — مهما كان — إلى اختبار ناجح للاستقرار وليس بداية لمرحلة اضطراب.
في النهاية، رحيل القادة قدر لا مفر منه، لكن بعضهم لا يغيّر فقط دولته، بل يغيّر معادلات كاملة حولها. وفي حالة قائد بحجم محمد بن زايد، لن يكون السؤال الحقيقي: من سيحكم بعده؟ بل: أي شرق أوسط سيتشكل في ظل غيابه؟
لأن الفراغ في هذه المنطقة لا يبقى فارغًا أبدًا… بل تمتلئ مساحته سريعًا بقوى جديدة، وحسابات جديدة، وربما تاريخ جديد.
ملف المصادر :
الرسمية الإماراتية (Primary Official Sources)
-
وكالة أنباء الإمارات (WAM)
-
الموقع الرسمي لحكومة دولة الإمارات (u.ae)
- ثانيًا: مراكز الأبحاث العالمية (مراكز الأبحاث)
🇺🇸 الولايات المتحدةمعهد بروكينجز
دراسات عن النفوذ الإماراتي والتحالفات الأمنيةمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي
تحليلات التحولات السياسية في الخليج -
المنظمات الدولية والمالية
-
United Nations
تقارير التنمية والاستقرار الإقليمي -
International Monetary Fund
تقييمات الاقتصاد والاحتياطيات -
World Bank
مؤشرات النمو والاستثمار
-
-
وزارة شؤون الرئاسة
-
المجلس الأعلى للاتحاد (الإطار الدستوري)