
حرب المستقبل لن تكون على النفط… ولا على الأرض… بل على الحقيقة.
الفائز لن يكون من يملك أقوى جيش بل من يملك:
أكبر مخزون من الثقة القابلة للتصديق
كتب – على خليل :
وفي عالمٍ لم يعد فيه الكذب يحتاج إلى مهارة، بل إلى خوارزمية، تتشكل الآن أخطر معركة في التاريخ الحديث: معركة على من يملك تعريف الحقيقة. لم يعد التهديد الحقيقي للذكاء الاصطناعي مقتصراً على الوظائف أو الخصوصية أو حتى الأمن السيبراني، بل امتد إلى الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات الحديثة كلها — الثقة. فالمعلومة لم تعد تُفحص بقدر ما تُغمر ببدائلها، والحقيقة لم تعد تُكذَّب بل تُدفن تحت طبقات من الضجيج المتكرر حتى تختفي ملامحها.
يحذر الباحث غوتام موكوندا في تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ من أن الذكاء الاصطناعي لا يغير طريقة إنتاج المعرفة فقط، بل يقوض النظام المعرفي الذي استندت إليه البشرية لعقود. فبعد أن كانت الثقة تُمنح للأطباء والجامعات ووسائل الإعلام الكبرى، ثم انتقلت لاحقاً إلى الإنترنت ومنصات التقييم الجماعي، دخلنا الآن مرحلة ثالثة أخطر: مرحلة يمكن فيها إنتاج معلومات مقنعة بلا مصدر بشري أصلاً.
في الماضي، كانت المعلومة الموثوقة نادرة لأنها مكلفة. كان إنتاج تقرير واحد يتطلب صحفيين ومحررين وخبراء ووقتاً للتحقق، وكانت سمعة المؤسسة على المحك. أما اليوم، فآلة واحدة تستطيع إنتاج آلاف النصوص في ساعات، دون مسؤولية أو ضمير أو خوف من المساءلة. وهكذا لم يعد التحدي هو الوصول إلى المعلومات، بل النجاة من فيضانها. الحقيقة لم تختفِ، لكنها غرقت.
الأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يقنع بالحجة بل بالكثرة. فعندما تتكرر رواية واحدة عبر عشرات المواقع والحسابات واللغات والأساليب، يتولد إحساس زائف بالإجماع. ومع الوقت، يتحول هذا الإحساس إلى قناعة، حتى لو كان المتلقي يعرف في داخله أن الرواية مشكوك فيها. إنها ظاهرة نفسية معروفة تُسمى “تأثير الحقيقة الوهمية”، حيث يبدو المألوف صحيحاً لمجرد أنه مألوف. وهنا يتحول الانتشار إلى بديل عن الدقة، والتكرار إلى بديل عن البرهان.
بهذا المعنى، لم يمت المصدر الموثوق فحسب، بل مات مفهوم المصدر نفسه. فالإنترنت أضعف احتكار المؤسسات للمعلومة، أما الذكاء الاصطناعي فقد ألغى الحاجة إلى وجود مؤسسة من الأساس. يمكن الآن لأي جهة — دولة أو شركة أو جماعة أو حتى فرد — أن تبدو وكأنها مؤسسة إعلامية كاملة، تنتج الأخبار والتحليلات والتقارير بوفرة لا تميز بينها وبين ما يكتبه البشر.
في هذه الحرب الصامتة، الخاسر الأول هو الجمهور العادي. فالأفراد لا يملكون الوقت ولا الأدوات ولا الخبرة للتحقق من كل ما يقرؤونه، ويعتمدون بطبيعتهم على الإشارات السريعة للثقة. لكن هذه الإشارات نفسها أصبحت قابلة للتزييف: مواقع تبدو احترافية، حسابات تبدو حقيقية، محتوى مكتوب بلغة بشرية دقيقة، وحتى “إجماع رقمي” يمكن تصنيعه. وهكذا يجد الإنسان نفسه أمام عالم يبدو مألوفاً لكنه بلا مرجعية ثابتة.
المنصات المفتوحة أيضاً تخسر، لأنها قائمة على مبدأ الكم لا الجودة. كلما زاد المحتوى زادت أرباحها، بغض النظر عن صدقه أو دقته. أما الحقيقة فهي الخاسر الأكبر، لأنها بطبيعتها بطيئة ومعقدة وتحتاج إلى تحقق، بينما الكذب سريع وبسيط وقابل للتكرار اللانهائي.
لكن الثقة لا تختفي تماماً؛ إنها تعيد التموضع. الجهات التي ستربح حرب المستقبل ليست تلك التي تنتج أكبر كمية من المعلومات، بل تلك التي تمتلك رصيداً تاريخياً من المصداقية لا يمكن توليده رقمياً. المؤسسات العريقة، الجامعات الكبرى، الهيئات الطبية، والبنوك العالمية — هذه الكيانات تملك شيئاً لا تستطيع الخوارزميات محاكاته بالكامل: سمعة تراكمت عبر الزمن وتعرضت للاختبار مراراً.
الدول القادرة على تنظيم فضائها المعلوماتي ستكون أيضاً في موقع متقدم. فامتلاك بنية سيبرانية قوية، وقوانين واضحة، ومنصات رسمية موثوقة، قد يصبح شرطاً للاستقرار السياسي والاجتماعي. في المقابل، قد تغرق الدول الأضعف في فوضى الروايات المتنافسة، حيث يصبح من المستحيل التمييز بين الحقيقة والدعاية والشائعة.
حتى الشركات الكبرى ستتحول من بيع المنتجات إلى بيع الثقة. في عالم يغمره المحتوى المجهول المصدر، قد يدفع الناس مقابل الحصول على معلومات موثوقة، أو خدمات رقمية “مضمونة الأصالة”، أو حتى محتوى ترفيهي صادر عن جهة معروفة لا تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي.
الأخطر من كل ذلك هو احتمال ظهور مجتمعات بلا حقيقة مشتركة. عندما يفقد الناس الثقة بكل المصادر، يصبح من المستحيل الاتفاق على الوقائع الأساسية، فتتعطل القدرة على اتخاذ قرارات جماعية. تنهار الثقة في الانتخابات، وفي الإعلام، وفي المؤسسات، وحتى في العلم نفسه. عند هذه النقطة، لا تحتاج الدول إلى أن تُهزم عسكرياً؛ يكفي أن تفقد اتفاقها الداخلي على الواقع.
في العالم العربي، تبدو المخاطر مضاعفة. فالإعلام المستقل محدود، والاستقطاب السياسي حاد، وثقافة التحقق الرقمي لا تزال ضعيفة لدى قطاعات واسعة من الجمهور. لكن في المقابل، هناك فرصة تاريخية: من ينجح في بناء مؤسسة موثوقة اليوم قد يحتكر الثقة لعقود قادمة، لأن الثقة — بخلاف المعلومات — لا يمكن تصنيعها بسرعة.
في النهاية، حرب المستقبل لن تكون على النفط ولا على الحدود، بل على من يملك حق تعريف ما هو حقيقي. في عصر يمكن فيه تزوير الصوت والصورة والنص والهوية، تصبح السمعة المورد الأندر والأغلى. والفائز لن يكون من يملك أقوى تكنولوجيا، بل من يملك أكبر رصيد من الثقة القابلة للتصديق.
السؤال لم يعد هل ستعود الثقة، بل من سيحتكرها عندما تختفي من الجميع. ففي عالم يمكن فيه تقليد كل شيء تقريباً، يبقى الشيء الوحيد الذي لا يُنسخ بسهولة هو التاريخ — تاريخ من الصدق حين كان الكذب مكلفاً.