
إسراء عبد التواب تكتب: قاموس أم شيماء
لماذا تحولت أم شيماء، والدة المذيعة المغدورة شيماء جمال، إلى ترند لأسابيع متتالية دون أن تسقط من هذا التربع لوقت طويل، كعادة الترندات التي سرعان ما تبدأ وتنتهي بمجرد انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي؟
هذا سؤال شغلني وشغل كل المتابعين لأداء المرأة التي لا يمكن أن تغضّ الطرف عن مشاهدتها، سواء كنت تستلطفها أم لا، أو كنت متعاطفًا معها أم تحملها جزءًا كبيرًا من مصير ما آلت إليه ابنتها المقتولة على يد زوجها قبل إعدامه.
فأم شيماء استطاعت في الحقيقة أن تفرض على جمهورها قاموسها الخاص، الذي صار محطة لمحركات البحث لتفسير بعض المفردات والشتائم التي خرجت من فمها، والتي تربّعت على رأس قائمة المصطلحات المتنمّرة. وامتدت القائمة لعدد من المفردات من بينها: (مِشَنشِنة – الهيلكوبتا – العجل الاستورادي – الراجل الليدي – الوطياء).
صنعت تلك المرأة قاموسًا يحتاج إلى تحليل خطابها لفهم شخصيتها التي اختلطت فيها السخرية بالحس الشعبي في التنمّر، والحزن بالكوميديا، والفرح بالألم، ونحن نشاهدها وهي تغني فور الحكم على زوج ابنتها كطيرٍ مَزبّوح يرقص على الوجع، كتغريدة بجعة.
ورغم اختلاف البعض مع ما أكتبه، إلا أننا لا يمكن أن ننكر أنها مثّلت حالة استثنائية أعادت لنا صورة شديدة الجرأة في مواجهة الخصوم، بصورة مختلفة ومليئة بالحدة والوضوح.
فتراها قوية في كل المواقف التي تظهر بها، وهي ترفض أن تتساقط دموعها. ويبدو أن تلك المرحلة كانت آخر محطة من سلسلة مراحل الصدمات التي مرت بها فور فجيعتها في حادثة قتل ابنتها، والتي اتسمت بالدراما المؤسفة كنهاية صادمة للجميع.
لكن تلك المرأة، مثلما صنعت لنفسها قاموسًا من المفردات التي صار يرددها رواد السوشيال ميديا، فقد امتلكت أيضًا نهجًا من الانفعالات التي تخفي الحزن وراء السخرية اللاذعة، وترفض الانزواء مقابل الظهور المتواصل الذي يستفز الكثيرين حول قدرتها النشطة التي لا تهدأ على تسخير كل دقيقة للحديث عن ابنتها، وكأنها لا تريد أن تصدّق ما حدث، في محاولة للتعافي عبر فرض التواجد المتكرر في كل المواقع واللقاءات الإعلامية لتخرج ما مرّت به من حزن، حتى تتخلص من تلك الصدمة التي ما زالت تلازمها.
في البداية قد لا يعجبك هذا القاموس، ولا تلك النسخة الانفعالية التي تفرضها عليك الحاجة ماجدة الحشاش، لكنك بمجرد مشاهدتها في أكثر من فيديو تُصاب ب”متلازمة أم شيماء” للتعلّق بتلك الحالة؛ تارة تتحول لثيرابيست قبل النوم، وتارة تتحول إلى مساحة تستدعي توحدك مع قوتها في مواجهة أعدائك في الحياة، لتهاتف من أوجعك وتفشّي كل خلقك فيه.
وتارة تستدعي مفرداتها للتهكم على كل شخص اتسم بالوَطِيء والدناءة، وتريد شتمتهم جميعًا لتحرّر أوجاعك التي كتمتها في صدرك سنوات طويلة، وتجرّب — مثلها — كيف تتحرر من الخوف لتواجه أي غول كنت تتحفظ يومًا على مواجهته.
لا يمكن أن ننكر أن قاموس أم شيماء وخفة دمها وقدرتها على التجدد، وامتزاج شخصيتها بين حبها للظهور واستغلال ذلك في التعافي من أثر صدمة مقتل ابنتها، قد ساهم في تحرير تلك القوة المدفونة التي تهمس لك بأنه حان الوقت لتكون قويًّا، لا تخاف أحدًا، ولا تكتم غيظك ولا غضبك إذا كان لديك الحق في الهجوم على من آذوك.
لقد شاهدت لها عشرات الفيديوهات من باب الفضول، رغم عدم الاستلطاف في البداية. ولكن بعد مشاهدة الكثير من لقاءاتها، تجد نفسك غير قادر على تجاهل حضورها المستمر أو خروجها من المشهد، لأنها تحرّضك على الشجاعة والقوة.
فهي أم — مهما اختلفت الآراء حول أسلوبها — بقيت السند الأخير لابنتها، صوتًا وصدى وصراخًا، في مواجهة حياة لم تكن فيها العلاقة بينهما دائمًا في وفاق.
ومعها تتعلم أنه مهما عصفت بك الأيام، تبقى الأم — بأي صورة ظهرت — هي جيشك الوحيد حين يغدر القريب ويبتعد المحب.