في اليوم التالي للإعلان الرسمي عن أوّل حالة إصابة بفيروس كورونا المُستجد في تركيا 11 مارس (آذار) الماضي، عقد الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان اجتماعاً لإدارة أزمة الوباء كان أبرز المُشاركين فيه رئاسة الشؤون الدينية التركية المعروفة بـِ “ديانت”، بينما لم تتم بالمقابل دعوة أكبر منظمة صحية مهنية في البلاد وهي الجمعية الطبية التركية التي تضم في عضويتها ما يزيد عن 80 ألف طبيب.
لعلّ هذا ما يُفسّر القرارات السلبية الخاطئة التي فاقمت الأزمة، وأظهرت مدى خطورة الدين المُسيّس، عبر سلسلة من القرارات الفاشلة أدّت للاستقالة المرفوضة لوزير الداخلية التركي سليمان صويلو، بعد إقالة وزير النقل وعشرات الاستقالات في قطاع الصحة، فضلاً عن استمرار اعتقال عدد كبير من الأطباء والخبراء وكل من توجّه بالانتقاد لخلية إدارة الأزمة برئاسة أردوغان شخصياً.
ارتباك تركي
وملأت السلطة الدينية التي يُديرها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، الفراغ الذي تسبب به الارتباك الحكومي الواضح وغياب أي إجراءات ملموسة ومدروسة، لتتم الاستعاضة عنها بالدعاء والصلوات، وإطلاق حملة تبرعات شنّت عليها المعارضة التركية هجوماً شديداً، فيما اعتبر ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ الحكومة عليها مساعدة مواطنيها وليس العكس، وذلك على غرار ما تقوم به معظم دول العالم من دعم لمواطنيها.
وغرّد أحمد داود أوغلو رئيس وزراء تركيا السابق، يقول “شعبنا محب للتضحية، لا يتكاسل عند الحاجة لكن دول العالم تقوم بتوزيع الأموال على مواطنيها، بينما نحن نجمع من المواطنين التبرعات، ألا ترون أن هناك شيئاً غير طبيعي؟”.
وشنّ رئيس حزب المستقبل المعارض الجديد هجوماً حادّاً على إدارة أردوغان الخاطئة لأزمة كورونا، وطالب الرئيس التركي ووزير داخليته بالاعتذار العلني للشعب حول ما تسبب به قرار فرض العزل المفاجئ من فوضى في البلاد، وتوضيح نتيجة الاستقالة بشكل رسمي للعلن.

قرارت خاطئة
وانتقدت رئيسة حزب الخير القومي الرئيس التركي بقولها “في الوقت الذي كنا ننتظر فيه أن يقدم الرئيس مساعدات للفقراء، وجدناه يقول لنا تبرعوا بالأموال للحساب رقم كذا وكذا” داعية أردوغان إلى التبرع بالطائرة الفاخرة التي حصل عليها هدية من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ويبلغ ثمنها 400 مليون دولار.
وفي أولى القرارات الخاطئة لخلية الأزمة التي يُهيمن عليها رئاسة الشؤون الدينية، جاء إبقاء المساجد مفتوحة بما في ذلك صلاة الجمعة التي تستقطب حوالي 18 مليون شخص دون أدنى اعتبار لمخاطر التقارب الاجتماعي التي حذّرت منها كافة دول العالم، ليتم تعليقها بشكل متأخر في 16 مارس (آذار) بعد التزايد الفجائي لحالات الإصابة بفيروس كورونا.
وفي غضون أسبوع واحد تجاوزت تركيا جميع البلدان الأخرى بمعدل زيادة حالات المرض، لتقع اليوم في المركز التاسع عالمياً بحوالي 60 ألف إصابة، وسط توقعات خبراء وعلماء بأنّ البلاد في طريقها نحو النموذج الإيطالي المأساوي.
وتتمتع رئاسة الشؤون الدينية في تركيا بميزانية ضخمة وعدد هائل من الموظفين يفوق كبرى الوزارات في البلاد، ويتقاضى هؤلاء رواتبهم من الميزانية العامة التي تعتمد على مساهمات الأتراك الطوعية وعلى الضرائب الإجبارية التي يدفعونها.
إقحام الدين بالسياسة
ووفقاً للدستور التركي، فإن الشؤون الدينية تضطلع بمهام وبمسؤوليات عامة تصب في صالح خدمة الشعب التركي بكافة أطيافه. ومن أجل ذلك، يقول أرطغرل غوناي وزير الثقافة والسياحة التركي الأسبق، إنّه يتعين على رئيس الشؤون الدينية وكافة العاملين بهذه المؤسسة، الوقوف على الحياد، وعدم إقحام أنفسهم في أي نقاشات أو تجاذبات سياسية، وذلك حتى تحقق أهدافها في ترسيخ روح التضامن والوحدة داخل الدولة والمجتمع التركي.
من جهته يكشف الصحافي التركي أحمد كولوسوي، أنّ الهيئة المسؤولة عن إدارة الشؤون الدينية في تركيا ما زالت تُحاول إلغاء القانون الذي يمنع الأئمة الأتراك من الانخراط في الأنشطة السياسية بالبلاد. ويُذكر أنّ المحكمة الدستورية التركية قد حكمت العام الماضي برفض طلب مماثل كان يهدف إلى إلغاء القانون الذي تمّ إقراره في الأصل عام 1965.
وإذا ما نجحت رئاسة الشؤون الدينية في مسعاها هذه المرة، فسوف يكون بإمكان الأئمة إلقاء خطب سياسية في المساجد خلال صلاة الجمعة والمناسبات الدينية، في خطوة يُحذّر منها كثيرون كونها تزيد من زعزعة استقرار تركيا، فضلاً عن إثارة الفتن في دول إسلامية أخرى. وعلى العكس من ذلك، فقد كان إنشاء رئاسة الشؤون الدينية العام 1924 من قبل مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، يهدف إلى تولي الحكومة مسؤولية السيطرة على الدين لضمان علمانية الدولة وعدم تدخل رجال الدين في شؤون البلاد.
وحول خلية التصدّي لأزمة فيروس كورونا برئاسة أردوغان، والتي ضمّت “ديانت” واستبعدت نقابة الأطباء، يقول الكاتب والمحلل التركي في “واشنطن بوست” جان دوندار، إنّ الرئيس التركي اختار بذلك أن يتحدث كرجل دين عبر حثّه على “ترك الأمور لله”، وليقول لاحقاً “مساعدة ربنا ستكون إلى جانبنا” دون أيّ إجراءات علمية ملموسة خاصة بعد تأخر ردّ الفعل الأولي. ورأى الصحافي الذي اختار ألمانيا كمنفى له، إنّ هذا الوباء أظهر “كيف تآكلت الأسس العلمانية لنظام التعليم” بينما تعثر الاقتصاد التركي وكان نظام الرعاية الصحية “غير مُستعد للتحدّي الذي يواجهه اليوم”.
ويرى مراقبون سياسيون أنّ سوء إدارة أزمة فيروس كورونا في تركيا، أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ السلطة الدينية التي فرضها حزب العدالة والتنمية في البلاد، لا تُهيمن فقط على الإعلام التركي، بل امتدت لتشمل العلماء والخبراء وكافة مناحي الحياة، وإلا فكيف يقول أستاذ في علم الاجتماع بإحدى جامعات البلاد إن الفيروس التاجي كان غضب الله على “الزنا والجنس الشرجي”، بينما يرى خبير وباحث تركي في الأمراض المُعدية من مجلس علوم الفيروسات التاجية على شاشة التلفزيون في البث المباشر أنّ “الله خلق فيروسات للسيطرة على السكان”، وهو ما يُنذر بالتأكيد بمزيد من التصدّع للحزب الحاكم والإسلام السياسي في تركيا بعد تزعزع الثقة في أسلوب إدارة أزمة كورونا.