سماحة الإسلام في تعامله مع غير المسلمين – بقلم : د. وائل محمد رزق موسى أستاذ مساعد بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر
إن الإسلام هو منة الله تعالى التي امتن بها على عباده الموحدين، ونعمته التي أسداها إلى العالمين، قال سبحانه وتعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ [المائدة: 3] ، دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا، جاء لخير البشرية ونفع الإنسانية، فكان دين السماحة والسلام، والتعارف بين الناس قاطبة لتحقيق التعاون بينهم فيما فيه نفع الكون وتعمير الأرض يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13]، دين أمر بالتعايش مع المسالمين من غير المسلمين، وأوجب لهم حقوقًا، وأمر بإيصالها إليهم، وحذر من سلبهم حقوقهم أو التعرض لما فيه انتقاص لهم منها، قال تعالى لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8]
وروى أبو داود عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» وقد تمثل الصحابة ومن جاء بعدهم تلك الأوامر القرآنية.
وهذه الإرشادات النبوية أفضل ما يكون فضربوا أروع الأمثلة من السماحة والتعايش الكريم، ومراعاة الحقوق والإحسان إلى غير المسلمين ممن يقطنون الدولة الإسلامية، ومن ذلك ما رواه القاضي أبو يوسف – رحمه الله – عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه مر بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: (من أي أهل الكتاب أنت؟) فقال: (يهودي) قال: (فما ألجأك إلى ما أرى؟) قال: (أسأل الجزية، والحاجة والسن) قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له – أي أعطاه – بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: 60] والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب)، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.
وتمتد سماحة الإسلام وعدالته لتطال الجميع، وليستفيد منها الكل، حتى ولو كان رجلًا من ضعاف الناس، ليتحقق له العدل، ويأخذ حقه من أي شخص، ولو كان ابن الأمير، فالكل أمام سيف العدل سواء، أورد ابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن رجلًا من أهل مصر أتى إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقال: (يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم)، قال: (عذت معاذًا)، قال: (سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربنى بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين)، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: (أين المصرى؟ خذ السوط فاضرب)، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: (اضرب ابن الألأمين)، قال أنس: (فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه)، ثم قال عمر للمصرى: (ضع على ضلعة عمرو)، فقال: (يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربنى وقد اشتفيت منه)، فقال عمر لعمرو: (مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟) قال: (يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتنى).